الخميس، 29 يناير 2009

قراءة أولية في مجزرة غزة



كشفت المجزرة التي قامت إسرائيل بارتكابها في قطاع غزة عن أمرين على جانب كبير من الأهمية أظن أنه لم يعد بوسع أحد أن يجادل فيهما:
الأول: فشل عسكري كبير مني به الجيش الإسرائيلي واكبه سقوط أخلاقي لمؤسسات لدولة والمجتمع في إسرائيل ، والثاني: صمود أسطوري للمقاومة الفلسطينية واكبه ثبات بطولي لشعب أعزل ترك يقاتل وحيدا ورغم ذلك بدا عاقدا العزم على تحرير أرضه من احتلال طال أمده وتحقيق استقلاله مهما بلغ الثمن الذي تعين عليه دفعه من دماء وعرق وتضحيات.
الفشل العسكري للجيش الإسرائيلي ، والذي يعد واحدا من أقوى جيوش العالم وأحدثها تسليحا ، أصبح واضحا وضوح الشمس من شواهد كثيرة أهمها:
1 - عجزه عن تحقيق أي من أهدافه المعلنة واضطراره في النهاية لوقف المجزرة من جانب واحد على الرغم من قيامه بزج خمسين ألفا من أفضل عناصر قواته البرية والبحرية والجوية وتمتعه بتغطية سياسية ودبلوماسية ، دولية وعربية ، سمحت له بالاستمرار في حملته العسكرية لأكثر من ثلاثة أسابيع.
2 - استخدامه لأحدث أنواع الأسلحة التي تحتوي عليها ترسانته العسكرية الضخمة بما فيها الأسلحة المحرمة دوليا ، باستثناء السلاح النووي،.
أما سقوطه الأخلاقي فيبدو واضحا وضوح الشمس أيضا من شواهد كثيرة أهمها:
1 - تعمده ضرب المدنيين ، بما فيهم رجال المطافئ ورجال الإسعاف ورجال الإعلام والموظفين الدوليين.
2 - هدم البيوت والمساجد والكنائس والمدارس ومكاتب الصحافة والإذاعة والتليفزيون ، بل وقصف المقابر والمستشفيات أيضا.
3 - القيام بعمليات إبادة جماعية متعمدة للسكان ليس فقط من خلال القتل العشوائي للأطفال والنساء وإنما أيضا من خلال تعمد تدمير مخازن الدواء والغذاء ، بدليل إقدامه على ضرب وإشعال الحرائق في مخازن الوكالة الدولية لغوث اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) والتي تتولي إطعام سبعمائة وخمسين ألف نسمة هم نصف سكان القطاع،.
تكشف الأرقام المتاحة حتى الآن عن حقائق مذهلة أهمها:
1 - لم يتجاوز عدد ضحايا الجانب الإسرائيلي من الصواريخ الفلسطينية طوال السنوات السبع الماضية ثلاثة قتلى وعدة عشرات من الجرحى بينما بلغ عدد ضحايا الفلسطينيين من الغارات التي ردت بها إسرائيل على هذا القصف في الفترة نفسها عدة مئات من الشهداء وآلاف الجرحى.
2 - بلغ عدد ضحايا المجزرة الأخيرة وحدها في قطاع غزة ما يزيد على ألف وثلاثمائة شهيد فلسطيني وحوالي خمسة آلاف جريح أكثر من %95 منهم من المدنيين العزل ونصفهم على الأقل من الأطفال والنساء والمسنيين.
وتكفي هذه الأرقام وحدها دليلا على أن الحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة لم تكن دفاعا مشروعا عن النفس ، كما تدعي إسرائيل ، وإنما كانت حرب إبادة جماعية حقيقية ضد شعب أعزل محتل يصر على التحرر والاستقلال ، وهو أمر باتت تعترف به معظم المنظمات العالمية لحقوق الإنسان وتؤكده بيانات عديدة وقع عليها مؤخرا عدد كبير من الحقوقيين وأساتذة القانون في جامعات عديدة من بينها جامعات أمريكية وأوربية. ولأن أجهزة الدولة الإسرائيلية ، والتي تعتبر نفسها واحة ديمقراطية وحيدة ومزهرة في صحراء الاستبداد الشاسعة ، ومنظمات المجتمع المدني الإسرائيلي ، والتي تدعي تفوقها الأخلاقي والحضاري ، لم تحرك ساكنا واصطفت كليا خلف جيشها المنقض بلا هوادة على فريسته الفلسطينية بل وقام بعضها بالتحريض على مسح غزة كليا من الخريطة دون هوادة ، فبوسعنا أن نقول دون تردد أن السقوط الأخلاقي لم يكن من نصيب جيش "الدفاع" الإسرائيلي وحده وإنما كان سقوطا لدولة ولمجتمع بكافة مؤسساتهما.
فالجيش الإسرائيلي استخدم كأداة قتل ظاهرة في المذبحة التي ارتكبت في غزة ، ومع ذلك فما كان لهذه الآلة العسكرية أن تطلق لنفسها العنان بمثل هذه الوحشية لولا تواطؤ الولايات المتحدة الأمريكية ومعها معظم الدول الأوربية وبعض الدول العربية ، ولولا تخاذل النظامين الدولي والعربي أيضا. وربما يسهل على المرء فهم مواقف دول معينة من هذه المجزرة المروعة ، رغم استحالة تبرير مثل هذا الموقف ، لكن يصعب جدا فهم موقف النظام الرسمي العربي ، خاصة النظام المصري ، من الأزمة الراهنة ، ناهيك عن تبريره أو الاقتناع به. فهناك اعتبارات قانونية وأخلاقية كثيرة كانت تفرض على النظام المصري أن يتصرف على نحو مختلف تماما عما قام به ، وذلك لأسباب كثيرة أهمها أن مصر تولت مسئولية إدارة قطاع غزة منذ 48 وحتى 67 وهي التي تسببت في وقوعه تحت الاحتلال وترتب على ذلك مسئولية أخلاقية وقانونية كانت تفرض على مصر ، معنويا على الأقل ، أن تقوم بتحرير القطاع أولا ثم الاختيار بين بديلين بعد التحرير لتحديد مستقبل القطاع ، الأول: تسليمه إلى أهله ليديروه بأنفسهم على مسئوليتهم الخاصة ، والثاني: إعادة وضعه تحت إدارتها المباشرة ، مثلما كان عليه الحال قبل عام 67 ، إلى أن يحدث توافق عربي على شكل تسوية القضية الفلسطينية برمتها.
ورغم تسليمنا بكثرة الصعوبات التي تعترض هذا الطريق ، إلا أنه ما كان ينبغي على مصر أبدا أن تدفع الأمور في اتجاه يفضي بها في النهاية إلى اتخاذ مواقف أثناء المجزرة بدت لكثيرين وكأنها تواطؤ ضمني أو حتى صريح لضرب المقاومة الفلسطينية والتي يبدو أنها باتت تشكل عبئا غير قابل للاحتمال.
تجدر الإشارة إلى أننا لا نعني بالتواطؤ هنا وجود اتفاق مسبق بالضروة بين مصر وإسرائيل للتخلص من منظمة يعتقد أنها باتت تشكل عقبة كبرى أمام سياستهما الخارجية ، رغم اختلاف دوافع كل منهما ، بل المقصود أن سلوك النظام المصري على الصعيدين الدبلوماسي والإعلامي صب في النهاية لصالح إسرائيل طوال فترة الأزمة ووفر لها الغطاء السياسي والزمني الذي كانت تحتاجه.
ولا أظن أنني أبالغ إذا قلت أن إسرائيل نجحت في إدارة الأزمة على نحو مكنها من توظيف النظام المصري وربما غيره من الأنظمة العربية في اتجاه تحقيق الأهداف التي تريدها. دليلي على ذلك ما يلي:
أولا: على الصعيد الدبلوماسي:
1 - أحجم النظام المصري عن توظيف أي من أدوات الضغط التي يملكها: كالتهديد بسحب أو استدعاء السفير من تل أبيب ، وبقطع إمدادات الغاز إذا لم توقف إسرائيل عدوانها فورا.
2 - لم يقم بتوجيه إدانة قوية للانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي الإنساني ، واستخدم لغة دبلوماسية تتسم بالميوعة وحتى بعدم الكفاءة المهنية.
وفي هذا السياق يمكن القول أن موقف النظام التركي كان أفضل كثيرا من موقف النظام المصري رغم علاقات تركيا الوثيقة بكل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
3 - إصراره على تبني دور الوساطة وقام ، تحت غطاء الحياد الذي يتطلبه هذا الدور ، بطرح مبادرة بالتنسيق مع فرنسا لم يكن لها من هدف سوى منح إسرائيل الوقت الذي تريده للاجهاز على فصائل المقاومة المسلحة.
4 - سعيه لعرقلة المبادرات الرامية لعقد قمة عربية طارئة خوفا من أن تتخذ القمة مواقف متشددة لا يريدها ولم يكن مستعدا أو جاهزا للتجاوب معها ، مما ساعد مرة أخرى على منح إسرائيل وقتا إضافيا لتنفيذ مخططها.
ثانيا: على الصعيد الإعلامي:
1 - عبأ النظام أبواقه على نحو بالغ الفجاجة لشن حملة على حماس وتحميلها مسئولية ما حدث وكأن حماس وليس إسرائيل هي العدو.
2 - لم تجد الشخصيات الإعلامية المستقلة أو تلك التي تتبنى وجهة نظر مؤيدة أو متفهمة لموقف حماس حيزا يتناسب مع حجمها في وسائل الإعلام الرسمية. ولأن الدولة نجحت في حشد وتعبئة النخب المعادية أيديولوجيا للتيار الديني في هذه الأزمة ، فقد بدت النخبة الفكرية في مصر كما في بعض الأقطار الأخرى وكأنها منحازة لإسرائيل ، مما أساء لصورتها كثيرا في الخارج. ولم تتمكن وسائل الإعلام المملوكة للقطاع الخاص ، والتي ما زال دورها محدودا بالقياس إلى وسائل الإعلام المملوكة للدولة ، للأسف ، من تعويض هذا النقص. ولولا المظاهرات الشعبية العارمة التي نقلتها فضائيات عربية وأجنبية لبدت صورة مصر ودول عربية أخرى حالكة السواد في عيون الجماهير العربية.
لم تكن مصر التي عكسها الإعلام الرسمي هي مصر التي يحبها العالم العربي ويحترمها ، بصرف عن اختلافه أو اتفاقه مع مواقف نظامها الحاكم. ففي الوقت الذي كان الشعب الفلسطيني يشير بأصابع الاتهام إلى إسرائيل ويعتبرها المسئول الأول والوحيد عن المأساة التي حلت به ، كانت حمم الجحيم ما تزال تتساقط فوق رؤوسه ، أما مصر الرسمية فقد بدت من خلال إعلامها وكأنها تبرر ما ترتكبه إسرائيل من مذابح بإلقاء المسئولية على حماس.
تصرفات بعض الأنظمة العربية أثناء المجزرة تحتاج إلى مراجعة وإلى إعاد نظر وتقويم إذا أرادت أن تتجنب كارثة أكبر تزال تلوح في الأفق القريب،.


ليست هناك تعليقات: