الجمعة، 22 مايو 2009

عــــــزاء و لــــكـــن





فى اليومين الماضيين كنت اتابع احداث العزاء فى وفاه حفيد الرئيس المصرى محمد حسنى مبارك

انا اختلف تماما مع مبارك فى سياسته و لكن لا شماته فى الموت لهذا اتعاطف معه ومع اسرته من الناحيه الانسانبه
و ان كان لى بعض الملحوظات :-


الاولى :
ان كثير من محطات التليفزيون و الاذاعه قد الغت برامجها و اقتصرت على اذاعه القرآن الكريم او على الاقل قد غيرت فى برامجها
لا اعتراض لى على اذاعه القرآن ترحما على المتوفى لكنى اتسائل لماذا لم نفعل ذلك مع اكثر من الف انسان غرقوا فى حادث العباره
مع الآلاف من القتلى فى غزه و العراق ... ؟؟
مع قتلى حادث القطار و حادث احتراق المسرح و مع قتلى انهيار العمارات هل حفيد مبارك هو ابن السيده و كل هؤلاء هم ابناء الجوارى


الثانيه :
ان الطفل المتوفى تمت ولادته فى الولايات المتحده اى انه تلقائيا يحمل الجنسيه الامريكيه و الكثير من رجال الاعمال و السياسه فى مصر
يحملون جوازات سفر اجنبيه اوروبيه او امريكيه كما ان اموالهم قد تم تهريبها الى الولايات المتحده او اوروبا و فى استطاعتهم فى اى لحظه التوجه الى تلك الدول ليستمتعوا بما نهبوه من اموال الشعب المصرى و يتركوننا لنغرق فى الديون الاجنبيه و الداخليه.



الثالثه :
محاوله ايهام العالم بان الشعب المصرى حزين على وفاه الطفل و يشاطر اسره مبارك احزانها انا اتعاطف انسانيا معهم و لكنى لا استطيع مشاركتهم الاحزان ان ما يحزننى حقا هو المعتقلات و تعذيب المعتقلين تزوير الانتخابات الفساد المالى و السياسى نهب المال العام اهدار حريه المواطن و كرامته ارتفاع الاسعار الجنونى لصالح رجال الاعمال الذين يعملون لصالح اسره مبارك البطاله التى تفشت فى البلد
انتشار السرطان و امراض الكبد و الكلى بسبب اسمده و مبيدات يتاجر بها رجال تلك الاسره الملايين من اطفال الشوارع الذين لا يجدون قوت اليوم الملايين من العوانس بسبب الضائقه الماليه


..... مبارك .....



انا اتعاطف معك انسانيآ و لكنى لا اشاطرك الاحزان من الطبيعى ان تحزن على حفيدك لكن ----




هل فكرت كم ستحزن عندما تقرأ صحيفتك فى قبرك سيكون حزنك اشد كثيرا ان لم تصلح ما افسدته يداك واشك فى انك ستفعل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخميس، 21 مايو 2009

أسباب الزلزال ... !!!





لعلامة اليمن الشيخ المحدث مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله
سؤال:
اختلف الناس في الزلزال: فمنهم من يقول : إنه أمر طبيعي لا دخل للدين فيه، ومنهم من يقول: إنه بقضاء الله وقدره لا دخل للذنوب فيه، ومنهم من يقول: إنه تخويف لا دخل للذنوب فيه أيضاً، ومنهم من يقول: انه بسبب الذنوب؟
الجواب والله الموفق للخير والصواب:
إنه يكون للتخويف، وبقضاء الله وقدره، وبسبب الذنوب أي: يكون الزلزال تخويفاً للأحياء الذين شاهدوه قال الله تعالى: ﴿ وَإِن مَّن قَرْيَةٍ إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِك فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا ۝ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا ﴾. [سورة الإسراء:59،58]
وأما كونه بقضاء الله وقدره فقال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [سورة الحديد:22]، وقال الله تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة التغابن: 11] .
وأما كونه بسبب الذنوب فإن الله – عز وجل – يقول في كتابه الكريم : ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبْتِ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [سورة الشورى: 30].
وقال تعالى: ﴿ ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ ﴾ [سورة الأنعام:131].
وقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ [سورة هود:117] .
وقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ ﴾ [سورة القصص:58-59].
وقال تعالى: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [سورة النحل:112].
وقال تعالى: ﴿ َقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ۝ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ۝ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾ [سورة سبأ: 15-17].
وقال تعالى: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ۝ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ۝ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ۝ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ۝ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ۝ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ۝ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾ [سورة القصص:76-82].
وقال تعالى: ﴿ كُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [سورة العنكبوت: 40]. اهـ من كتاب "المخرج من الفتنة" صفحه 161
ـــــــــــــــ
وفي كتاب الداء والدواء لابن القيم:
ذكر الإمام أحمد عن صفية ، قالت : زُلزلت المدينة على عهد عمر، فقال: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا هَذَا؟ وَمَا أَسْرَعَ مَا أَحْدَثْتُمْ، لَئِنْ عَادَتْ لَا أُسَاكِنُكُمْ فِيهَا.
وقال كعب: إِنَّمَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ إِذَا عُمِلَ فِيهَا بِالْمَعَاصِي فَتُرْعِدُ فَرَقًا مِنَ الرَّبِّ جَلَّ جَلَالُهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهَا.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار :
"أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ هَذَا الرَّجْفَ شَيْءٌ يُعَاتِبُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ الْعِبَادَ، وَقَدْ كَتَبْتُ إِلَى الْأَمْصَارِ أَنْ يُخْرِجُوا فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي شَهْرِ كَذَا وَكَذَا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ۝ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾ [ سورة الأعلى : 14 - 15 ] .
وَقُولُوا كَمَا قَالَ آدَمُ: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [ سورة الأعراف : 23 ] .
وَقُولُوا كَمَا قَالَ نُوحٌ: ﴿ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [ سورة هود : 47 ] .
وَقُولُوا كَمَا قَالَ يُونُسُ: ﴿ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة الأنبياء : 87 ] ".

-۞ أقرأ أيضاً ::

عنوان السعادة وعنوان الشقاوة
الإمام ابن قيم الجوزية

رؤيا في عالم البرزخ
حديث شريف

آثار ترك الذنوب في الدنيا والآخرة
الإمام ابن قيم الجوزية

مثلٌ قلَّ والله من يَعْقِلُه
العلامة ابن سعدي

أوزارنا تقض ظهورنا - صوت
العلامة ابن عثيمين
---~---------~---------~----------~---




للمراسله






الثلاثاء، 19 مايو 2009

يارب سلم





لقد نثر طول الأمل رداءه على البعض فأصبح الكثير من الناس يقترف المحرمات، ويتهاون في الطاعات وأمسى التسويف حاجزًا لهم عن التوبة، والفرح بهذه الدنيا منسيًا لما أمامهم من الأهوال والعقبات.


فلم يطرق الخوف قلوبهم، ولم يلازم الوجل نفوسهم. فانهمكوا في الفرح والترح، وكأنهم مخلدون في هذه الدنيا.. تجاهلوا سيرة من كانوا قبلهم في تذكر الموت والخوف مما بعد الموت.. فقد كان يقرأ على بعض السلف ما يلين القلوب ويحيي النفوس.. يشحذ الهمم، ويقوي العزائم ويزيل ران الغفلة والسفه.. فهذا ابن المبارك إذا قرئ عليه كتاب الزهد كأنه ثور قد ذبح؛ لا يقدر أن يتكلم(تذكرة الحفاظ: 1/278.).والخوف أخي الحبيب! عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في المستقبل.ومن توقع مكروهًا في المستقبل سعى إلى الاستعداد له، والمثابرة على اجتيازه.وقد جمع الله للخائف منه فضلاً عظيمًا، فقال تعالى: }وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ{(سورة الرحمن، آية: 46. ).قال القرطبي: المعنى خاف مقامه بين يدي ربه للحساب، فترك المعصية(الجامع لأحكام القرآن: 17/176. ).وقال ابن كثير -رحمه الله-: أي خاف القيام بين يدي الله -عز وجل-، وخاف حكم الله فيه، ونهى النفس عن هواها، وردها إلى طاعة مولاها}فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى{ أي منقلبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء(تفسير ابن كثير 4/469. ).وقال مجاهد والنخعي -رحمهما الله-: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر الله فيدعها من خوفه.وقال محمد بن علي الترمذي -رحمه الله-: جنة لخوفه من ربه، وجنة لتركه شهوته.ومن فضل الله ومنه على عباده الطائعين المنيبين ما جاء في الحديث القدسي، قال الله تعالى: «وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي»( أخرجه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي في الشعب.).وعن أنس -رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله r خطبة ما سمعت مثلها قط. قال:«لو تعملون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا، فغطى أصحاب رسول الله r وجوههم ولهم خنين» (الخنين: البكاء مع غنة وانتشاق الصوت من الأنف. )[متفق عليه].ومن ثمرة الخوف من الله -جل وعلا- في الدنيا ما ذكره عامر بن قيس بقوله: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء, ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء.وانظر إلى أهل الوجل والخوف من الله؛ إنهم أهل القدوة، وأصحاب الكلمة المسموعة.أما من عصى الله وفرط في حدوده، فإنه زائغ النظرات، يترقب وقوع المصيبة.. بل هو في قلق وحسرة وندامة.ويظن البعض أن الخوف هو خوف الدنيا الطبعي من الوحوش والسباع والظلام والوحدة، وما علموا أن ما قطع قلوب المؤمنين الصادقين إنما هو الخوف من عذاب الله ورجاء رحمته وعفوه ومغفرته..قال عمر بن عبد العزيز: اللهم إن كنت تعلم أني أخاف شيئًا دون يوم القيامة فلا تؤمن خوفي (تاريخ الخلفاء: 224.).قال يزيد بن حوشب محدثًا بما كان يراه من صلاح القوم وخوفهم: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما.وعن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال:سمعت عبد الله بن حنظلة يومًا وهو على فراشه، وعدته من علته، فتلا رجل عنده هذه الآية:}لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ{ فبكى حتى ظننت أن نفسه ستخرج، وقال: صاروا بين أطباق النار ثم قام على رجليه، فقال قائل: يا أبا عبد الرحمن اقعد قال: منعني ذكر جهنم القعود، ولا أدري لعلي أحدهم.فإن هذا هو الخوف المحمود الذي يحرك النفس البشرية إلى الاستعداد والعمل والاستقامة والإنابة.وهذا هو الخوف الحقيقي والوجل الصادق..كان عمر بن الخطاب يسأل حذيفة.. أنشدك الله: هل سماني لك رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يعني في المنافقين؟ فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحدًا (الجواب الكافي: 79.).نعم هذا وهو عمر بن الخطاب.. أمير المؤمنين الفاروق وثاني الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة.بل ها هو قد جعل نقش خاتمه: كفى بالموت واعظًا يا عمر(البداية والنهاية: 7/147.).
مستوفدين على رحل كأنهم....ركب يريدون أن يمضوا وينتقلواعفت جوارحهم عن كل فاحشة....فالصدق مذهبهم والخوف والوجل(ترتيب المدارك: 1/36.)أخي المسلم: إن اتباع الهوى وطول الأمل مادة كل فساد. فإن اتباع الهوى يعمي عن الحق معرفة وقصدًا، وطول الأمل ينسي الآخرة ويصد عن الاستعداد لها (الفوائد: 130. ).قال الفضيل بن عياض: إذا قيل لك: هل تخاف الله؟ فاسكت، فإنك إن قلت: نعم، كذبت، وإن قلت: لا، كفرت(تزكية النفوس: 117.).والكثير لو سئل هذا السؤال لأجاب بالجواب الأول، وهو مقيم على معصية، مصر على كبيرة، مستغرق في صغيرة؟!فأين الخوف من الله؟ وأين التفكر في المآل والمعاد والجزاء والحساب..أيها الحبيب:هذا أبو سليمان الداراني لما حضره الموت، قال له أصحابه:أبشر فإنك تقدم على رب غفور رحيم. فقال لهم: ألا تقولون تقدم على رب يحاسبك بالصغير ويعاقبك بالكبير.وصدق الله عز وجل إذ يقول:}فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ{.والخوف ليس من الذنوب وحدها، بل أيضًا من سوء الخاتمة وسوء المنقلب.. قال عبد الرحمن بن مهدي: بات سفيان عندي فلما اشتد به الأمر، جعل يبكي. فقال له رجل: يا أبا عبد الله أراك كثير الذنوب. فرفع شيئًا من الأرض، وقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت(صفة الصفوة: 3/150. ).وقال جل وعلا:}يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ{.نعم يا عبد الله لقد خافوا هذا اليوم العظيم يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة:}يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ{[الحج: 2].قال الحسن -رحمه الله-:ما ظنك بيوم قاموا فيه على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة، لا يأكلون فيها أكلة، ولا يشربون فيها شربة، حتى إذا انقطعت أعناقهم عطشًا، واحترقت أجوافهم جوعًا، انصرف بهم -يقصد العصاة والمجرمين- إلى النار فسقوا من عين آنية قد آن حرها، واشتد لفحها(الإحياء: 4/500. ).قال وهيب بن الورد:بلغنا أنه ضرب لخوف الله مثل في الجسد، قيل: إنما مثل خوف الله كمثل الرجل يكون في منزله فلا يزال عامرًا ما دام فيه ربه، فإذا فارق المنزل ربه وسكنه غيره خرب المنزل، وكذلك خوف الله تعالى إذا كان في جسد لم يزل عامرًا ما دام فيه خوف من الله، فإذا فارق خوف الله الجسد خرب، حتى إن المار يمر بالمجلس من الناس فيقولون: بئس العبد فلان، فيقول بعضهم لبعض: ما رأيتم منه؟ فيقولون: ما رأينا منه شيئًا غير أنا نبغضه، وذلك أن خوف الله فارق جسده.وإذا مر بهم الرجل فيه خوف الله، قالوا: نعم والله الرجل فيقولون: أي شيء رأيتم منه؟ فيقولون ما رأينا منه شيئًا غير أنا نحبه(التخويف من النار لابن رجب 5. ).
فكرت في نار الجحيم وحرها....يـا ويلتاه ولات حين مناصفدعوت ربي إن خير وسيلتي....يوم المعاد شهادة الإخلاص(شذرات الذهب: 4/3. )جاء سائل إلى ابن عمر فقال لابنه: أعطه دينارًا، فلما انصرف قال ابنه: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال: لو علمت أن الله يتقبل مني سجدة واحدة وصدقة درهم لم يكن غائب أحب إلي من الموت، أتدري ممن يتقبل؟ إنما يتقبل الله من المتقين.وقد فسر الحسن قوله تعالى:}وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ{.قال: كانوا يعملون ما يعملون من أعمال البر وهم مشفقون؛ ألا ينجيهم ذلك من عذاب الله عز وجل(الزهد: 420.).ولهذا الفهم الصحيح والإدراك الصادق، قال يونس بن عبيد عن الحسن: ما رأيت أطول حزنًا من الحسن. وكان يقول: نضحك ولعل الله قد اطلع على أعمالنا، فقال: لا أقبل منكم شيئًا.


الاثنين، 18 مايو 2009

العلم النافع وعلامات أهله




مختصر من رسالة صغيرة
للحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله المتوفى سنة 795
بعنوان:
"فضل علم السلف على علم الخلف"
قال ابن رجب رحمه الله بعد ذكره لجملة من العلوم:
فالعلم النافع من هذه العلوم كلها:
ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم، في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد والرقائق، والمعارف وغير ذلك.
والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أوّلا.
ثمّ الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانياً.
وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشُغْلٌ لمن بالعلم النافع عُنِي واشتَغَل.
ومن وقف على هذا وأخلص القصد فيه لوجه الله عز وجل واستعان عليه‎؛ أعانه وهداه، ووفقه وسدده، وفهّمه وألهمه، وحينئذٍ يثمر له هذا العلم ثمرته الخاصة به، وهي خشية الله، كما قال عزوجل: {إنما يخشى الله من عباده العلماء}...
وسبب ذلك أن هذا العلم النافع يدل على أمرين:
أحدهما: على معرفة اللَه وما يستحقه من الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال الباهرة. وذلك يستلزم إجلاله، وإعظامه، وخشيته، ومهابته، ومحبته، ورجاءه، والتوكل عليه، والرضا بقضائه، والصبر على بلائه.
والأمر الثاني: المعرفة بما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويسخطه؛ من الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة والأقوال، فيوجب ذلك لمن علمه المسارعة إلى ما فيه محبة اللَه ورضاه والتباعد عما يكرهه ويسخطه:
فإذا أثمر العلم لصاحبه هذا فهو علم نافع، فمتى كان العلم نافعاً ووقر في القلب فقد خشع القلب للَّه وانكسر له. وذل هيبة وإجلالا وخشية ومحبة وتعظيما. ومتى خشع القلب للَّه وذل وانكسر له قنعت النفس بيسير الحلال من الدنيا وشبعت به فأوجب لها ذلك القناعة والزهد في الدنيا...
فالشأن في أن العبد يكون بينه وبين ربه معرفة خاصة بقلبه؛ بحيث يجده قريباً منه، يستأنس به في خلوته، ويجد حلاوة ذكره ودعائه ومناجاته وخدمته. ولا يجد ذلك إلا من أطاعه في سره وعلانيته. كما قيل لوهيب بن الورد: يجد حلاوة الطاعة من عصى؟ قال: لا، ولا من هم. ومتى وجد العبد هذا فقد عرف ربه وصار بينه وبينه معرفة خاصة، فإذا سأله أعطاه، وإذا دعاه أجابه ...
فالعلم النافع ما عرف به العبد ربه، ودل عليه حتى عرف ربه ووحده وأنس به واستحى من قربه، وعبده كأنه يراه...
ومن فاته هذا العلم النافع وقع في الأربع التي استعاذ منها النبي صلي الله عليه وسلم: وصار علمه وبالا وحجة عليه، فلم ينتفع به؛ لأنه لم يخشع قلبه لربه. ولم تشبع نفسه من الدنيا بل ازداد عليها حرصاً ولها طلباً. ولم يُسمع دعاؤه لعدم امتثاله لأوامر ربه. وعدم اجتنابه لما يسخطه ويكرهه...
وعلامة هذا العلم الذي لا ينفع أن يكسب صاحبه الزهو والفخر والخيلاء وطلب العلو والرفعة في الدنيا، والمنافسة فيها، وطلب مباهاة العلماء، ومماراة السفهاء، وصرف وجوه الناس إليه، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن من طلب العلم لذلك فالنار النار.
وربما ادعى بعض أصحاب هذه العلوم معرفة الله وطلبه، والأعراض عما سواه وليس غرضهم بذلك إلا طلب التقدم في قلوب الناس من الملوك وغيرهم، وإحسان ظنهم بهم وكثرة اتباعهم. والتعاظم بذلك على الناس...
ومن علامات ذلك عدم قبول الحق والانقياد إليه، والتكبر على من يقول الحق خصوصاً إن كان دونهم في أعين الناس، والإصرار على الباطل خشية تفرق قلوب الناس عنهم بإظهار الرجوع إلى الحق ...
ومن علامات أهل العلم النافع: أنهم لا يرون لأنفسهم حالا ولا مقاما، ويكرهون بقلوبهم التزكية والمدح، ولا يتكبرون على أحد، قال الحسن: إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بدينه المواظب على عبادة ربه ...
ومن علامات العلم النافع: أنه يدل صاحبه على الهرب من الدنيا وأعظمها الرئاسة والشهرة والمدح فالتباعد عن ذلك والاجتهاد في مجانبته من علامات العلم النافع.
فإذا وقع شيء من ذلك من غير قصد واختيار كان صاحبه في خوف شديد من عاقبته بحيث أنه يخشى أن يكون مكراً واستدراجاً كما كان الإمام أحمد يخاف ذلك على نفسه عند اشتهار اسمه وبعد صيته.
ومن علامات العلم النافع: أن صاحبه لا يدعى العلم، ولا يفخر به على أحد، ولا ينسب غيره إلى الجهل إلا من خالف السنة وأهلها فإنه يتكلم فيه غضباً للَّه لا غضباً لنفسه ولا قصداً لرفعتها على أحد.
وأما من علمه غير نافع فليس له شغل سوى التكبر بعلمه على الناس وإظهار فضل علمه عليهم ونسبتهم إلى الجهل وتَنَقُّصهم ليرتفع بذلك عليهم وهذا من أقبح الخصال وأرداها...
وأهل العلم النافع : يسيئون الظن بأنفسهم، ويحسنون الظن بمن سلف من العلماء ويقرون بقلوبهم وأنفسهم بفضل من سلف عليهم وبعجزهم عن بلوغ مراتبهم والوصول إليها أو مقاربتها ...
ومن علمه غير نافع إذا رأى لنفسه فضلا على من تقدمه في المقال وتشقق الكلام ظن لنفسه عليهم فضلا في العلوم أو الدرجة عند اللَه لفضل خص به عمن سبق فاحتقر من تقدمه واجترأ عليه بقلة العلم ولا يعلم المسكين أن قلة كلام من سلف إنما كان ورعا وخشية للَّه، ولو أراد الكلام وإطالته لما عجز عن ذلك...
فمن عرف قدر السلف عرف أن سكوتهم عما سكتوا عنه من ضروب الكلام وكثرة الجدال والخصام والزيادة في البيان على مقدار الحاجة لم يكن عياً ولا جهلا ولا قصوراً وإنما كان ورعا وخشية للَّه واشتغالا عما لا ينفع بما ينفع ...
فليس العلم بكثرة الرواية، ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يُقذف في القلب يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد.
وكانت خطب النبي صلى الله عليه وسلم قصداً. وكان يحدث حديثاً لو عده العاد لأحصاه وقال (( إن من البيان سحراً )) وإنما قاله في ذم ذلك لا مدحاً له كما ظن ذلك من ظنه ومن تأمل سياق ألفاظ الحديث قطع بذلك وفي الترمذي وغيره عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً (( أن اللَه ليبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها )) وفي المعنى أحاديث كثيرة مرفوعة وموقوفة على عمر وسعد وابن مسعود وعائشة وغيرهم من الصحابة فيجب أن يعتقد أنه ليس كل من كثر بسطة للقول وكلامه في العلم كان أعلم ممن ليس كذلك.
وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين انه أعلم ممن تقدم.
قال ابن مسعود: إنكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه، وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه.
فمن كثر علمه وقل قوله فهو الممدوح، ومن كان بالعكس فهو مذموم.
والسلف أقل الناس كلاماً وتوسعاً في العلوم، لكن علمهم علم نافع في قلوبهم ويعبرون بألسنتهم عن القدر المحتاج إليه من ذلك. وهذا هو الفقه والعلم النافع فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث والكلام في الحلال والحرام ما كان مأثوراً عن الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى أن ينتهي إلى أئمة الإسلام المشهورين المقتدى بهم الذين سميناهم فيما سبق [كابن المبارك، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، واسحق، وأبي عبيد، ونحوهم].
فضبط ما روي عنهم في ذلك أفضل العلم، مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه، إلا أن يكون شرحاً لكلام يتعلق من كلامهم.
وأما ما كان مخالفاً لكلامهم فأكثره باطل أو لا منفعة فيه. وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة.
فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة مالا يهتدى إليه من بعدهم ولا يلم يه.
فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم.
قال الأوزاعي: العلم ما جاء به أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فما كان غير ذلك فليس بعلم.
وفي زماننا يتعين كتابة كلام أئمة السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد، وليكن الإنسان على حذر مما حدث بعدهم، فإنه حدث بعدهم حوادث كثيرة، وحدث من انتسب إلى متابعة السنة والحديث من الظاهرية ونحوهم وهو أشد مخالفة لها لشذوذه عن الأئمة وانفراده عنهم بفهم يفهمه، أو يأخذ مالم يأخذ به الأئمة من قبله.
وفي الجملة ففي هذه الأزمان الفاسدة إما أن يرضى الإنسان لنفسه أن يكون عالماً عند اللَه ولا يرضى إلا بأن يكون عند أهل الزمان عالماً. فإن رضي بالأول فليكتف بعلم اللَه فيه. ومن كان بينه وبين اللَه معرفة اكتفى بمعرفة اللَه إياه: ومن لم يرض إلا بأن يكون عالماً عند الناس دخل في قوله صلى الله عليه وسلم: ((من طلب العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه؛ فليتبوأ مقعده من النار)).
فنسأل اللَه تعالى علماً نافعاً، ونعوذ به من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يسمع، اللهم إنّا نعوذ بك من هؤلاء الأربع.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.


اللهم إنا نسألك زيادة في الدين* *وبركة في العمر* *وصحة في الجسد* *وسعة في الرزق* *وتوبة قبل الموت* *وشهادة عند الموت* *ومغفرة بعد الموت* *وعفوا عند الحساب* *وأمانا من العذاب* *ونصيبا من الجنة* *وارزقنا النظر إلى وجهك الكريم* *اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين واشفي مرضانا ومرضى المسلمين* *اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات* *اللهم ارزقني قبل الموت توبة وعند الموت شهادة وبعد الموت جنة* *اللهم ارزقني حسن الخاتمة* *اللهم ارزقني الموت وأنا ساجد لك يا ارحم الراحمين* *اللهم ثبتني عند سؤال الملكين* *اللهم اجعل قبري روضة من رياض الجنة ولا تجعله حفرة من حفر النار* *اللهم إني أعوذ بك من فتن الدنيا* *اللهم أني أعوذ بك من فتن الدنيا* *اللهم أني أعوذ بك من فتن الدنيا* *اللهم قوي إيماننا ووحد كلمتنا وانصرنا على أعدائك أعداء الدين* *اللهم شتت شملهم واجعل الدائرة عليهم* *اللهم انصر إخواننا المسلمين في كل مكان* *اللهم ارحم إبائنا وأمهاتنا واغفر لهما وتجاوز عن سيئاتهما وأدخلهم فسيح جناتك ** *وبارك اللهم على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم* **



الأحد، 17 مايو 2009

حقيقة التوكل و تمييزه عن التواكل ... !!!




التوكل على الله خلق عظيم من أخلاق الإسلام ، وهو من أعلى مقامات اليقين وأشرف أحوال المقربين
وهو نظام التوحيد وجماع الأمر ، ومنزلته أوسع المنازل وأجمعها
وهو مفتاح كل خير ، وعبادة من أفضل العبادات
تعريف التوكل :
هو الاعتماد على الله -سبحانه وتعالى – في حصول المطلوب ودفع المكروه , مع الثقة به و فعل الأسباب المأذون فيها
ولا بد من أمرين :
الأول : أن يكون الاعتماد على الله اعتمادا صادقاً حقيقياً .
الثاني : فعل الأسباب المأذون فيها
فمن جعل أكثر اعتماده على الأسباب , نقص توكله على الله ويكون قادحا في كفاية الله ومن جعل اعتماده على الله ملغياً للأسباب فقد طعن في حكم الله , لأن الله جعل لكل شئ سببا و الله حكيم يربط الأسباب بمسبباتها
التوكل والأخذ بالأسباب :
لابد هنا من لفت الانتباه إلى ثلاثة أمور:
الأمر الأول: أنّ التوكل لا ينافي أخذ الأسباب . فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: قال رجل: يا رسول اللّه أعقلها وأتوكّل، أو أطلقها وأتوكّل؟ -لناقته- فقال صلى الله عليه وسلم: «اعقلها وتوكّل» [سنن الترمذي].
الأمر الثاني: تتخذ الأسباب وإن كانت ضعيفة في نفسها ولذلك أمر الله تعالى أيوب عليه السلام أن يضرب الأرض برجله بعد أن دعا لمرضه، وهل ضربة الصحيح للأرض منبعة للماء؟ لا، ولكن الله يريد أن يعلمنا أنه لابد من اتخاذ السبب ولو كان ضعيفاً، فالأمر أمره، والكون كونه، ولكن لابد من فعل الأسباب
الأمر الثالث: أن لا يعتمد عليها، وإنما يجعل اعتماده على الله تعالى.
ابذل السبب ولو كان يسيراً، واعلم أنّ الله هو مسبب الأسباب، ولو شاء أن يحول بين السبب وأثره لفعل سبحانه، ولذا لما أُلقي إبراهيم في النار لم يحترق لأن الله قدر ذلك، وإسماعيل عليه السلام لما أمرَّ أبوه السكين على عنقه وهي سبب في إزهاق الروح لم تزهق روحه لأن الله لم يأذن في ذلك.
فلا يعتمد إلا على الله، وتتخذ الأسباب، لأن الله يقدر الأمور بأسبابهاأهمية التوكل و منزلته من العقيدة والإيمان والسلوك:
لاشك أن المؤمن حينما يتوكل على الله ويفوض الأمر إليه يشعر بأنه يأوي إلى ركن شديد فلا يخش أحد ، فالتوكل بالنسبة للنفس و الروح كالطعام بالنسبة للجسد لا حياة لها إلا به .
و التوكل فريضة يجب إخلاصه لله تعالى وعقيدة إسلامية لقوله تعالى(وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) فإن تقديم المعمول يفيد الحصر : أي وعلى الله فتوكلوا لا على غيره
وهو من سمات المؤمنين الصادقين قال تعالى( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءآيته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون)
قيل لبعض الحكماء : ما الفرق بين اليقين والتوكل؟ قال: أما اليقين فهو أن تصدق الله بجميع أسباب الآخرة ، والتوكل أن تصدق الله بجميع أسباب الدنيا
و قيل : من طعن في الاكتساب فقد طعن في السنة ، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان
التوكل في القرآن الكريم :
أمر الله بالتوكل عليه ،ففي بعض الآيات كان الأمر من الله لأنبيائه والبعض الآخر لعموم المؤمنين ومن أمثلة ذلك: 1) ” …. فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ “ آية {159}سورة آل عمران .
2) ” وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ “ آية {11}سورة المائدة .
3) ” وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ” سورة الطلاق
التوكل في السنة النبوية :
كان النبي صلى الله عليه و سلم من أعظم المتوكلين , ومع ذلك كان يأخذ بالأسباب , فكان يأخذ الزاد في السفر ، ولما خرج إلي أحد ظاهر بين درعين , أي لبس اثنين ولما خرج مهاجرا اخذ من يدله الطريق ولم يقل سأذهب مهاجراً وأتوكل على الله
عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : ” لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً ”
درجات التوكل:
ويمكن اعتبار درجاتٍ للتوكل كما يلي :
1- الأولى : أن يكون المتوكل حاله في حق الله سبحانه والثقة بكفالته وعنايته كحاله في الثقة بالوكيل( هذا توكل العامة)
2- الثانية: حال المتوكل مع الله تعالى كحال الطفل مع أمه فإنه لا يعرف غيرها ولا يفزع إلى أحد سواها ولا يعتمد إلا إياها والفرق بين هذه الدرجة والأولى أن هذا متوكل وقد فني في توكله عن توكله إذ ليس يلتفت قلبه إلى التوكل وحقيقته ، بل إلى المتوكَل عليه فقط وهي أقوى من الأولى
3- الثالثة: أعلاها ، وتكون باستسلام القلب لله وانجذاب دواعيه كلها إليه وقطع منازعته ، ويكون بين يدي الله تعالى في حركاته وسكناته مثل الميت بين يدي الغاسل لا يفارقه (وهو توكل الخاصة).
ثمار التوكل :
1_ طمأنينة النفس وارتياح القلب وسكونه
2_ كفاية الله المتوكل جميع شئونه: لقوله تعالى(ومن يتوكل على الله فهو حسبه)
3_ يورث محبة الله تعالى للعبد لقوله تعالى (إن الله يحب المتوكلين)
4- يورث قوة القلب وشجاعته وثباته وتحديه للأعداء ويورث القوة الروحية لحديث(… ومن سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله…) رواه ابن أبي حاتم
5 - يورث الصبر والتحمل
6_ يورث النصر والتمكين
7_ يورث الرزق
8_ يطرد داء العجب والكبر
9_ يطرد التطير والأمراض القلبية كالتشاؤم ولبس الحلقة والخيط
10_ يورث الرضا بالقضاء . قال ابن القيم: فإنه إذا توكل حق التوكل رضي بما يفعله وكيله
11_ الثقة بالله وعدم اليأس
عوائق التوكل:
1 - الجهل بمقام الله من ربوبية وألوهية وأسماء وصفات
2- الغرور والاعجاب بالنفس
3- الركون للخلق والاعتماد عليهم في قضاء الحاجات
4- حب الدنيا والاغترار بها مما يحول بين العبد والتوكل لأنه عبادة لاتصح مع جعل العبد نفسه عبداً للدنيا.
التوكل لا يكون إلا على الله:
يسوغ: لولا الله ثم فلان إن كان فلان سبباً، وليس يجوز: توكلت على الله ثم عليك، وأقبح منه: توكلت على الله وعليك، فإن الله تعالى يقول: {وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ}، {أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلً}، وقال: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون}، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
فالاستعانة بغير الله فيما يقدر عليه لا شيء فيها، أما التوكل فعل القلب لا يكون إلا على الله تعالى ، أسأل الله العلي أن يملأ قلوبنا بالاعتماد عليه.
تعريف التواكل :
هو ترك الكسب والطمع في المخلوقين والاعتماد عليهم بالتخلي عن الأسباب التي وضعها الله عز وجل والانقطاع عن السعي والتقاعد عن العمل وانتظار النتائج من الخلق أو القدرأو الاتكال على الله أن يخرق له العوائد .
والتواكل خسة همة وعدم مروءة لأنه إبطال حكمة الله التي أحكمها في الدنيا من ترتب المسببات على الأسباب.
ولقد حارب الاسلام التواكل وحذر منه ، وهو حرام ليس من الشرع أصلاً وهو مخالف للنصوص
الفرق بين التوكل والتواكل :
التوكل والتواكل صفتان من الصفات الخلقية ,أولهما محمودة والثانية مذمومة وقد خلط بينهما كثير من الجهال مع أن الفرق واضح جلي لمن أخلص في عبادته لربه ويظهر ذلك من خلال القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه و سلم ومنهجه القويم .
وقد سبق تعريف التوكل بأنه توكل على الله مع الأخذ بالأسباب . و التواكل : هو ترك الأسباب وعدم بذلها .
إن الإسلام يقر التوكل ويرضي عنه ويدعو إليه وقد ذكر الله عنه أنه من صفات المؤمنين بل أنه من شروط الإيمان بالله , أما التواكل فلا يقره الإسلام ولا يرضاه ويهدم تعاليم الدين , لأن الله أمر بالأخذ بالأسباب في كتابه العزيز وتؤيد ذلك السنة، والتواكل هو العجز والكسل والخمول .




السبت، 16 مايو 2009

((القدس لنـــا لا لليهود الظلمة))



{(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)}
الاسراء:1
إن(القدس)هي بؤرة الصراع بين الحضارات المتعاقبة على منطقتنا منذ قبل التاريخ,فعندما جاء التاريخ نزل في(القدس)فوجد الحضارات تتصارع عليها,كل حضارة تريد أن تستخلصها لنفسها,ثم جاء الإسلام وحررها من الروم فهدأ الصراع عليهاإلى حين,ولكن بعد ستة قرون من الزمن تقريبا إشتعل الصراع من جديد,حيث عاد الروم الصليبيون الغربيون بخيلهم ورجلهم ليستخلصوها من المسلمين,وكانت عودتهم على شكل حملات عسكرية متتابعة بلغت حوالي خمس حملات على مدى مئتي عام,وكان شعارهذه الحملات الصليبية هوتحرير(القبر المقدس)في(القدس) من أيدي الوثنيين المسلمين حسب زعمهم,فكانت القدس هي محورالصراع وبؤرته في الحروب الصليبية الأولى قبل ثمانمائةعام,حيث إحتلها الصليبيون ما يقارب تسعين عاما إلى أن بعث الله البطل(صلاح الدين الأيوبي الكردي)فإستعادها منهم بعد أن هزمهم في(معركة حطين الخالدة)في عام 1187,ومن ثم جاء من بعده بمئة عام المملوكي(الخليل بن قلاوون)فقضى على الحملات الصليبية نهائيا في(معركةعكاالخالدة)والتي حصلت في عام 1291م الموافق 690هجري,وكان قدرالله بأن يستعيد المسلمون(عكا)من الصليبين في اليوم نفسه بالضبط والساعة نفسهامن عام587 هجري التي إحتلت به,وقبل مئة عام تقريبا وفي مطلع القرن العشرين عاد الصليبيون من جديد وكانت(القدس) هدفهم,ومنذ ذلك الحين و(القدس) في عين الإعصاروعنوان الصراع المحتدم بيننا وبين الغرب الصليبي الذي يشن علينا حرب صليبية جديدة قائمة منذ الحرب العالمية الأولى والتي يُشكل اليهود رأس الحربة فيها,حيث أول مرة في التاريخ يحدث(تحالف بين اليهود والنصارى,فمن المعروف أن جميع دول أوروبا النصرانية إضهدت اليهود,وهذا التحالف ليس له غاية وهدف إلامُحاربة المسلمين)فالكيان اليهودي في(فلسطين)ماهوإلا مشروع صليبي غربي ورأس حربة في مُحاربة المسلمين وأكبردليل على ذلك تصريح الجنرال البريطاني(اللنبي)قائد قوات الحُلفاءالصليبية في الحرب العالمية الأولى التي إحتلت(القدس)وهو يدخل(القدس)من(باب الخليل)وهوأحد(أبواب القدس)حيث صرح وهو على صهوة جواده((الأن إنتهت الحروب الصليبية))فهذا التصريح الذي لا زال يُدّوي في التاريخ ويستفز مشاعرالمسلمين يُوضح حقيقة المعركة,حيث قصد بتصريحه بأن المعركة الصليبية كانت مستمرة منذ أن حرر(صلاح الدين الأيوبي)القدس منهم بعد(معركةحطين)وهزيمته ل(ريتشارد قلب الأسد)إلى أن عادوا إلى إحتلالها مرة أخرى,وعندمادخل الفرنسيون دمشق بقيادة(الجنرال غورو)فأول عمل قام به(غورو)ذهابه الى قبر(صلاح الدين الأيوبي) في المسجد الأموي ووكزه بسيفة وبمنتهى الحقد قائلاً له(قم يا صلاح الدين فقد عدنا أخيراً).
ومنذ أن إستولت بريطانيا العظمى على فلسطين بدأت فوراً وضع(وعد بلفور)موضع التنفيذ والصادرعنهابتاريخ(2 /تشرين الثاني/ 1917)فإتخذت جميع الإجراءات التي تستهدف تنفيذ المشروع اليهودي في فلسطين فقامت بجلب اليهود الى فلسطين بأعداد كبيرة من شتى بقاع الأرض وأنشأت لهم الخلايا السرطانية (المغتصبات – الكيبوتسات: القرى الزراعية) ودربتهم وسلحتهم,ومن أجل توفير المناخ السياسي والجغرافي لنمو هذا المشروع وإستمراره قامت بترتيب المنطقة جغرافياوسياسيا،فجزئتها وشرذمتهاوحولتها إلى وحدات جغرافية بالمسطرة والفرجاربموجب ماعُرف ب(إتفاقية سايكس وبيكو)وجعلت من الأمة الواحدة شعوباً وقبائل متناحرة ومتلاعنة ومتباغضة حتى لا تقوم لها قائمة،ثم أنشأت جامعة الدول العربية لتحافظ على هذه الترتيبة الإستعمارية الخبيثة .
وهكذا تم غرس الشجرة الملعونة في(فلسطين)بأيدي صليبية غربية(دعاة الحرية وحقوق الإنسان)لتثمردماً وقيحاًوعذاباً وألاماً وثكالى وأرامل وضحايا وقهراً وظلمـاً وتشرداً وإضطهـاداً ومأساة بشرية لم يعرف التاريخ لها مثيـلاً,وهكذا كان(وعد بلفور)إعطاء من الذي لا يملك(الأنجليز)إلى من لايستحق(اليهود)ولقد حدث كل هذا في ظل فقدان أمتنا لإرادتها مماجعل عدوها يفرض عليها ما يريد ويدعي إدعاءات زائفة وباطلة ويطالب بما ليس له فيه أي حق تاريخي أوشرعي،فاليهود يدّعون بأن (فلسطين)هي(أرض الميعاد)حيث إنهم أقاموا في بعض أجزائها لمدة سبعين عاما قبل ثـلاثة ألاف عام,وأن(المسجد الأقصى)بُني مكان(هيكلهم المزعوم)وأن(القدس)هي عاصمتهم الأبديـة،وأن لامعنى لكيـانهم بدون(القدس)ولامعنى(للقدس)بدون الهيكل كما قال يوما(بن غوريون اول رئيس وزراء للكيان اليهودي)فهم يدّعون بأن(فلسطين هي مركز الكون,والقدس مركزفلسطين,والهيكل مركزالقدس,وقدس الأقداس هومركزالهيكل,وقدس الأقداس هوالتابوت الذي فيه الألواح التي نزلت على موسى عليه السلام).
ومقابل ذلك نجد وللأسف الشديد أن معظم من يفاوضون اليهود على(القدس)لم يركعوا لله ركعة ويعتبرون(المسجد الأقصى)بناء أثري تاريخي يجب وضعه تحت وصاية(اليونسكو)إحدى هيئات الأمم المتحدة المسؤولة عن الأثار,وهُم يعملون على مُحاربة البُعد الإسلامي(للقدس)لمصلحة البُعد الديني اليهودي المُزورويُبشرون بالهزيمة النهائية لأمتنا أمام المشروع اليهودي,وبأنه ليس أمامناإلا أن نقبل بالأمرالواقع كحقيقة غيرقابلة للتغيير،ويقولون بأن من الحكمة التسليم لليهود بحق شرعي وتاريخي في(القدس وفلسطين),فقسموا(فلسطين) الى قسمين,قسم أطلقوا عليه( فلسطين عام 1948)وتنازلوا به الى اليهود وهوثلثي مساحة(فلسطين) وقسم اطلقوا عليه( فلسطين 1967 وهو ما سُمي بالضفة الغربية وقطاع غزة)وقسموا (القدس)الى قدسين (قدس غربية)يعتبرونها من حق اليهود وهي تشكل( 80%)من مساحة(القدس)و(قدس شرقية)وهي من حقنا فهم يعتقدون إن تحرير كامل(فلسطين والقدس)وإعادتها للسيادة العربية الإسلامية مستحيل وليس من الموضوعية ولاالعقلانية ولايخدم السلام,فأين سيذهب خمسة ملايين يهودي؟؟ فالسلام من وجهة نظرهؤلاء هوما يحُقق إدعاءات اليهود الزائفة في (القدس وفلسطين).
وأغرب ما قرأت في هذا المجال في كتاب يتحدث عن إشكاليات السلام وكيف يجب حلهامن تأليف أحد الشخصيات السياسية الأردنية(عدنان ابوعودة)ومن هذه الإشكاليات الصراع على(القدس) بين اليهود والمسلمـين،حيث يقترح المؤلف في كتابه بأن(القدس القديمة المُسورة والتي تضم أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى محمد صلى الله عليه وسلم يجب أن تكون رمزاً للسلام،وذلك من خلال تنازل المسلمين عن المطالبة بإستعادة السيـادة عليها،وأن يتم توزيع هذه السيادة بين الأديان الثلاث،لأنها تضم أقدس الأماكن عند الديانات الثلاث كما يزعم),فلا ندري من أين جاء بأقدس الأماكن بالنسبة لليهود مع أنهم منذ عام 1967حاولوا المستحيل من أجل إيجاد أثر تاريخي واحد ليُدللوا على وجود حق لهم في (القدس) ومع ذلك عجزوا وفشلوا حتى إن ما يُسمى ب(حائط المبكى) وهو(حائط البراق) عندنا نحن المسلمين أقرت إحدى المحاكم في زمن الاحتلال البريطاني بمُلكيته للمسلمين،وذلك بعد(أحداث البراق المشهورة في عام 1929),وقبل عدة أيام قام اليهود بسرقة حجر من أحد القصور الأموية المُلاصقة لحائط (المسجد الأقصى) والمُطل على حي سلوان لتزييفه ووضعه على مدخل مبنى مقر الشيطان ما يُسمى عندهم (الكنيست) أي مجلس البرلمان.
لذلك إن اقتراح توزيع السيادة في(القدس) على الأديان الثلاثةماهوإلا نقض(للعُهدة العمرية)التي لايملك أحد من المُسلمين نقضها،وهوإعتداءعلى عقيدة المسلمين واستفزازلمشاعرهم،وهو تطاول على الإسلام والمسلمين ومصادرة لحقهم ب(القدس) كاملة غيرمنقوصة،وهوإستسلام لإرادة اليهود وليس سلاماً,وهو تثبيت لما عجزاليهود بكل ما أوتوا من قدرة على الكذب والخداع والتزوير والتزييف عن إثباته.
وبماأن الله علام الغيوب يعلم بأن الصراع على(القدس)سيستمرالى يوم الدين,وأن أمتناسيُصيبها الضعف والهوان في بعض المراحل التاريخية تضيع فيها(القدس)كما حصل في الحروب الصليبية الأولى وإستيلاء اليهود عليها الأن,وبأنه سيظهرفي أمتنا في هذه المراحل أمثال هؤلاء من الذين يدعون الى التفريط ب(القدس) ويتبنون البعد العقائدي اليهودي المزور والمفبرك,من أجل ذلك لم يكن عبثا أن سجل الله سبحانه وتعالى(القدس ومسجدها الأقصى)في كتابه عندماأسرى بعبده محمدا صلى الله عليه وسلم إليه,فكل من يطعن في هذا التسجيل فهوخائن وعدو لله ورسوله وللمؤمنين ومنحازلليهود الظالمين الغاصبين،ولم يكن بغيرحكمة من الله سبحانه وتعالى أن جعل الله(بيت المقدس)القبلة الأولى للمسلمين ولمدة ستة عشرة شهراً،ولم يكن بغيرقصد من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهولاينطق عن الهوى عندما ربط(المسجد الأقصى بمكة والمدينة) عندما جعل من(المسجد الأقصى ثالث مسجد يشد المسلمون له الرحال بعد المسجد الحرام في مكة المكرمة والمسجد النبوي في المدينة المنورة)،ولم يكن عفواً مجيء(الفاروق عمر بن الخطاب) رضي الله عنه وأرضاه إلى( القدس) لإستلام مفاتيحهامن راهبها(صفرونيوس)ولم يذهب لإستلام(المدائن عاصمة كسرى ودمشق عاصمة قيصر),فهويعرف منزلتهاعند الله ورسوله والمؤمنين ولعلمه عن رسول الله صلى الله عليـه وسلم بأن (القدس)ستكون محـل صراع دائم بين المسلمين وأعدائهم من أهل الكتاب وخصوصا أشد الناس عداوة للذين أمنوا اليهود الذين ينكرون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولايعترفون بالإسلام خاتم الديانات،فكانت(العهدةالعمرية)وثيقة تاريخية إعترف بموجبها سكان(القدس) من أهل الكتاب من النصارى بالسيادة الإسلامية عليها،واشترط أهل(القدس)من النصارى في هذه الوثيقة بأن لا يسكنهاأحد من اللصوص واليهود.
ف(القدس)لنا لا لليهود الظلمة اللصوص شُذاذ الأفاق الذين إستجلبهم الغرب الصليبي من جميع أصقاع الأرض ليغرسهم كالنبت الشيطاني في فلسطيننا الحبيبة المُباركة ويُسكنهم في تجمعات سرطانية شوهت وجه فلسطيننا الوادعة الجميلة الأرض المباركة
فالمسلمون هُم أصحاب(فلسطين)دينياًوتاريخياً,فهم سكانها الأصليون منذعهد (الكنعانيين)فعندما جاء الدين اليهودي صاروا يهوداً,وعندماجاءت المسيحية صاروا نصارى ولم يبقى فيها يهود ا,وعندماجاء الإسلام خاتم الديانات وجد النصارى بأن المسلمين الفاتحين يتعاملون معهم بمنتهى الرحمة والرأفة والإنسانية ولم يُكرهوهم على تغييردينهم أوإجبارهم على دخول الإسلام,ولم يرتكبوا بحقهم المذابح,فهذه رحمة الإسلام وتسامحه بعكس جميع الغزاة في التاريخ،فدخلوا في دين الله أفواجـاً،فمعظم أهل(فلسطين)الذين كانوا يسكنونها قبل مجيء الإسلام أصبحوا من المسلمين وبقي قلة منهم على نصرانيته دون أن يتعرض إلى إيذاء من المسلمين،بل عاشوا جنباً إلى جنب تحت راية الإسلام بأمن وسلام ووئام كأهل ذمة,وكما يفرض علينا الإسلام أن نعامل أهل الكتاب من الذين لم ينقضوا العهد والميثاق مع المسلمين ولم يقاتلوهم في الدين ويظاهرواعليهم أعدائهم كمافعل اليهود الغادرون من نقضهم للعهد والميثاق,وبقيت(فلسطين)خالية من اليهود إلى ما قبل قرنين من الزمن،حيث بدأت المؤامرات الدولية والأطماع الصليبية تستهدف(فلسطين وجوهرتهاالقدس)فبدأ اليهود يتسللون لها خلسة وبالتحايل على المسلمين ومستغلين إحسان(الدولة العثمانية)لهم بصفتهم أهل ذمة الى أن تنبه لهم السلطان عبد الحميد رحمه الله ففرض إجراءات مشددة زيارتهم الى فلسطين وربط إدارة القدس به مباشرة إلى أن جاءت الحرب العالمية الأولى،والتي كان من نتيجتها انهيار(الدولة العثمانية) التي حمت(القدس)أكثر من خمسمائة عام.
ف(فلسطين وقلبها(القدس)ليست ملكاً لمفكرأوسياسي أوزعيم أوقائد أوجماعة أومنظمة أوشعب أومفاوض سكيرعربيد يستهزء بعقيدة الأمة،فالمسلمون في فلسطين هم طليعة أمة تمتد من المحيط الى المحيط,وهم الطائفة التي تمثل رأس الحربة في مواجهة التحالف اليهودي الصليبي الذي يستهدف الإسلام والمسلمين و(القدس وفلسطين)وجميع ديار المسلمين وهذه الطائفة هي التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم
((لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله ، قالوا : أين هم يا رسول الله ، قال : في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس))
لذلك إن(القدس) ستعود يوما إلى حياض الإسلام،لتوحد ربها تحت راية التوحيد مهماطال الصراع ومهما طال الزمن كما عادت في الحروب الصليبية,وذلك بعد أن رفض المسلمون أن يُسلموا بالأمر الواقع.
وهنا يحضرني تصريح لأول رئيس وزراء للكيان اليهوي بن غوريون حيث صرح يوما(لوكنت مكان العرب لا يمكن أن أقبل الإعتراف بهم أوالتفاوض معهم أو مهادنتهم أوالتنازل عن شبرواحد من فلسطين فنحن سرقنا وطنهم فكيف أعترف لمن سرق وطني بسرقته وبحقه فيه) فما بال البعض يريد أن يدخل التاريخ وهو معترف بحق اليهود في(القدس وفلسطين الأرض المباركة).
فالحق يتنازل عنه المستسلمون العاجزون والمرجفون الخائنون ولا يستعيده إلا المخلصون الأبطال صناع التاريخ والمجد والمجاهدون والمستشهدون,فأي صيغة سياسية تتعلق ( بفلسطين وقلبها القدس )ومن اية جهة سواء كانت(إسلامية أووطنية منظمة أوفرد) تعترف لليهود بأي حق فيهاوتتناقض مع حقنا الديني ومنزلتها في القرآن والسنة وحقنا التاريخي ولا تستهدف إستعادتها الى السيادة الإسلامية كاملة غير منقوصة شبرا فهي صيغة مرفوضة رفضا مطلقا,بل هي خيانة لله ورسوله وللمؤمنين لأن ذلك يعتبر تفريط بما وثقه الله لنا في كتابه المجيد ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته,فمن ذا الذي يقدر على فك وثاق عقده الله رب العالمين،ف(القدس) لنا كماهي (مكة المكرمة والمدينة المنورة)فهل هناك من المسلمين من يستطيع أو يملك الحق بالتنازل عن شبرمن(مكة أوالمدينة)فماينطبق على(مكة والمدينة) ينطبق على (القدس) وكامل(فلسطين التاريخية المباركة)فكل قرية ومدينة في(فلسطين)عندنا ك(القدس)ولوأننا سُنتهم بإننا نجدف خارج الزمن وعلى الرمال ونشطح بالخيال من قبل من يُسمون أنفسهم ب(الواقعين البراجماتين وقيادات وزعماء أخر زمن المشبوهين)والذين لايحملون عقيدة الأمة بل ويستهزؤن بها والله يستهزء بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون,فإننا نقول لهؤلاء
((نعم نحن خارج هذا الزمن المكسورالرديء المفعم بالذل والخزي والعار ونرفض أن نسير ورائكم وننقاد خلفكم ونتبنى طروحاتكم التي تعبرعن الإستسلام أمام العدو والتنازل عن الحق ,وإننا نقول لمن يحكمون الأمة ويغتصبون إرادتها بالحديد والنار هاهي(القدس)تستغيث وتستصرخ حيث يعبث اليهود في وجهها الوادع الجميل فيعملون على تشويهه وتغيير معالمه وقتل روحها بزرع الخلايةالسرطانية المُسمى بالمستعمرات في جسدها وتطويقها بسور بشع كأنه أفعى تسعى,فهو رمز للإفعى اليهودية السامة,وهاهم يعملون على تهجيرأهلها وتفريغها من المسلمين وتطفيشهم بشتى الوسائل وبسد كل سبل الحياة أمامهم وبإرهاقهم بالضرائب وهدم بيوتهم وعدم السماح لهم ببناء بيوت جديدة وسحب هوياتهم,فهاهم يريدون أن يُزيلوا أحياءاً تاريخية بكاملها من الوجود حتى أنهم يخططون لإزالة المدينة القديمة التي تقع داخل السور ومع ذلك فإن أهل(القدس) يتشبثون في أرضهم ومنزرعين فيها ويقبضون على الجمر ومستميتين في الدفاع عن(المسجد الأقصى)وهُم غيرمُبالين بتخلي أمتهم عنهم,فهاهو(المسجدالأقصى)مستهدف بقوة من قبل حاخامات اليهود فهم يعملون على الإحاطة به ببناء أربعين كنيس يهودي من حوله ومن فوقه ومن تحته تمهيدا لهدمه,ف(الأقصى)على وشك أن يُصبح هدمه خبرعاجل ,فلن يهدأ لهم بال إلا بتحقيق ذلك ومع كل ذلك فلاحياة لمن تنادي))
فيا(صلاح الدين الأيوبي)أيها المسلم الكردي أطل من وراء القرون لترى كيف يعبث يهود في(القدس وفلسطين)و كيف ينكلون بشعبها دون أن يجدوا أحدا ينجدهم أويستجيب لإستغاثاتهم,فحكام المسلمين في غيهم يعمهون,وعلى كسب رضى اليهود والصليبين يتسابقون,وبأخبارالغانيات والعاهرات والراقصات وبإقامة المهرجانات والقنوات الفضائية لهن وتوزيع الجوائزعليهن منشغلون وفاكهون,وإذا ما تعرضت إحداهن إلى وعكة صحية أوضائقة مالية تجدهم إلى كل مساعدة ممكنة يُسارعون ويضعون كل إمكانيات دولهم تحت تصرفها,وإذا ما تعرضت إحدى حدائق الحيوانات في الغرب الى أزمة مالية فإنهم إلى تقديم الأموال بغير حساب لإنقاذها يُبادرون,أما عندما يتعلق الأمرب(المسجد الأقصى أولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى محمد صلى الله عليه وسلم وبالقدس وفلسطين وشعبها وما يجري له على أيدي اليهود فإنهم صُم بُكم عُمي لا يفقهون).
وفي هذا المقام يجب أن نذكر موقف المجاهد البطل المدافع الأول عن (المسجد الأقصى والقدس)والذي يسكن(الأقصى)في خلايا جسده وعقله((الشيخ رائد صلاح))الذي يستصرخ المسلمين صباحاً ومساءاً بإن يستيقظوا من غفوتهم ويُحذرهم من الأخطار المحدقة به,فالأمر جد لا هزل فيه
فأين أنتم من هذه الصرخات والإستغاثات و الخطر اليهودي الذي يستهدف(القدس وفلسطين ومسرى محمد صلى الله عليه وسلم واولى القبلتين) يامن تدعون بأنكم((إتحاد علماء المسلمين برئاسة القرضاوي))؟؟
وأين أنتم يا((هيئة كبارعلماء السعودية))؟؟
وأين أنت يا(( شيخ الأزهر))؟؟أيها الوسواس الخناس من إستغاثة (الأقصى) وأهل(القدس) ونداءات((( الشيخ رائد صلاح)))لماذا لا تجتمعون وتصدرون فتوى تعلنون فيها بأن
((الجهاد من أجل تحريرالقدس والأقصى وكل فلسطين إستجابة لصرخات النساء الحرائر والأطفال فرض عين,وأن كل من يقف حائلا دون ذلك يعتبر مُوالي لليهود والنصارى))أم أنكُم صُم بُكم عُمي لا تفقهون,وأنكم لستم إلا تجار دين وعلماء سلاطين,وكل من يُخسركم أمرا من أمور دُنياكم ولعاعة من لعاعات الحكام التي يتقيئون بها لكم والتي تتسابقون على لحسها لا تقتربون منه ولو كان الأمر بإنكارماعُلم من الدين بالضرورة وخوفا من يمنعكم الحكام من هذه اللعاعات,ألم يفتي القرضاوي بموجب فقه اولوياته أن الجهاد بالقتال وبالسلاح وبالجيوش قد إنتهى ولا يتناسب مع لغة العصر,وأن الجهاد في هذا العصرهو بالفضائيات التي تدرعليه الملايين,فهو يريد أن يحرر(القدس وفلسطين) بالفضائيات ؟؟؟ فهل هناك فتوى ممكن أن تخدم اليهود والصليبين اكثر من هذه الفتوى!!!
فكثير من الأحداث الجسام التي تعرض لها المسلمون في العقدين الأخيرين عرتكم وكشفت حقيقيتكم يا(علماء السوء)وبأنكم لستم إلا محرفون لكتاب الله من بعد ما عقلتموه وأنتم تعلمون لتشتروا به ثمنا قليلا,فويلُ لكم مما كتبت أيديكم وويلُ لكم مما تكسبون,فأقصى ما تقومون به هو التعبيرعن مشاعركم وعواطفكم الجياشة تجاه الشعب الفلسطيني والدعوة الى التضامن معه وتحية صموده لتذروا الرماد في عيون المسلمين,فالدنيا أكبرهمكم ومبلغ علمكم,حتى أنكم أصبحتم مضرب المثل في الذل والهوان والنفاق والخسة والوضاعة,وكل من يعمل على كشف حقيقتكم تتهمونه بالجهل والتطاول على العلم والعلماء والإساءة لذواتكم المقدسة,فوالله إن التصدي لكم واجب شرعي,وأنتم أيها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها إلى متى ستبقون كأهل الكهف تغطون في سباتكم العميق وغثاء كغثاء السيل لاوزن لكم ولاقيمة ولا إعتبار يتطاول عليكم أذل خلق الله ويستخفون بكم,أما أنتم يا يهود وأعوان يهود ولكل من يريد أن يتنازل عن(القدس وفلسطين) نقول لكم((بأن القدس لنا لا لليهود الظلمة,وإننا نقول لكم بأن كيانكم الغاصب المجرم ما هوإلا شجرة خبيثة ما لها من قرار في أرض الإسلام وسنجتثها في يوم من الأيام مهما طال الزمن وما دام فينا طفل يقول لا إله إلا الله, شاء من شاء وأبى من أبى ونحن مؤمنون إيمانا قاطعاً بمانقول فهذا وعد الله لنا,وهذا مرهون بنهوض أمتنا من كبوتها))
(وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) [الإسراء :81] ..
فلا يغرنكم يا يهود حال المسلمين اليوم,فهم على وشك الإنعتاق منه والإنبعاث من جديد,فأمتنا دائما تنهض من كبواتها التاريخية على شكل إنبعاث وفجأة وبدون مقدمات,فنحن لا ننتصر بكثرة عدد ولاعُدة وإنما بالقلة المؤمنة التي تعد ما تستطيع من قوة ثم تطلب النصر من الله
{ (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولاً ) } الاسراء:5
فهاهي هذه الفئة المؤمنة المجاهدة التي وعد الله بأن يكون إزالة هذا الكيان على أيديهاقد بعثهاالله في العراق وأفغانستان والصومال(حركة الشباب المجاهد)وفي كثيرمن بلاد المسلمين وإني أكاد أن أراها تنسل من كل حدب وصوب وتطبق على كيانكم من الجهات الأربعة لتطهر الأرض المباركة وجوهرتها المكنونة(القدس)من رجسكم كما طهرها(صلاح الدين الأيوبي الكردي)و(الخليل بن قلاوون المملوكي)من رجس الصليبين في الحروب الصليبية الأولى
(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الأخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَادَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَاعَلَوْا تَتْبِيرًا) [ الإسراء : 7]
فهاهي(امريكا)رأس الكفروالشر في الأرض حاضنة كيانكم تترنح على أيدي هذه الفئة في(العراق وأفغانستان) وبسبب أزمتها المالية الساحقة الماحقة التي ضربها الله بها,فهي قد أصبحت أيلة للسقوط,فنحن لا نشك مثقال ذرة بأن أمريكا والكيان اليهودي الى زوال حتمي بأمر الله على أيدي هذه الفئة المؤمنةالتي تقاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى
{(قل للذين كفروا ستُغلبون وتُحشرون إلى جهنم وبئس المهاد)} أل عمران:12


أسباب شرح الصدور


( للإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله )

أعظم أسباب شرح الصدر: التوحيدُ وعلى حسب كماله، وقوته، وزيادته يكونُ انشراحُ صدر صاحبه. قال الله تعالى: {أَفَمَن شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّنْ رَبِّه} [الزمر: 22]. وقال تعالى: {فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإسْلاَمِ، وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [الأنعام: 125].
فالهُدى والتوحيدُ مِن أعظم أسبابِ شرح الصدر، والشِّركُ والضَّلال مِن أعظم أسبابِ ضيقِ الصَّدرِ وانحراجِه.
ومنها: النورُ الذي يقذِفُه الله في قلب العبد، وهو نورُ الإيمان، فإنه يشرَحُ الصدر ويُوسِّعه، ويُفْرِحُ القلبَ. فإذا فُقِدَ هذا النور من قلب العبد، ضاقَ وحَرِجَ، وصار في أضيق سجنٍ وأصعبه.
وقد روى الترمذي في جامعه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أنه قال: " إذا دَخَلَ النور القلبَ، انْفَسَحَ وانشرحَ ". قالوا: وما عَلاَمَةُ ذَلِكَ يَا رسُولَ اللهِ؟ قال: "الإنَابَةُ إلى دارِ الخُلُودِ، والتَجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والاسْتِعْدادُ للمَوْتِ قَبْلَ نُزوله". فيُصيب العبد من انشراح صدره بحسب نصيبه من هذا النور، وكذلك النورُ الحِسِّي، والظلمةُ الحِسِّية، هذه تشرحُ الصدر، وهذه تُضيِّقه.
ومنها: العلم، فإنه يشرح الصدر، ويوسِّعه حتى يكون أَوسعَ من الدنيا، والجهلُ يورثه الضِّيق والحَصْر والحبس، فكلما اتَّسع علمُ العبد، انشرح صدره واتسع، وليس هذا لكل عِلم، بل للعلم الموروث عن الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو العلمُ النافع، فأهلُه أشرحُ الناس صدراً، وأوسعهم قلوباً، وأحسُنهم أخلاقاً، وأطيبُهم عيشاً.
ومنها: الإنابة إلى الله سبحانه وتعالى، ومحبتُه بكلِّ القلب، والإقبالُ عليه، والتنعُّم بعبادته، فلا شىء أشرحُ لصدر العبد من ذلك. حتى إنه ليقولُ أحياناً: إن كنتُ في الجنة في مثل هذه الحالة، فإني إذاً في عيش طيب.
وللمحبة تأثيرٌ عجيبٌ في انشراح الصدر، وطيبِ النفس، ونعيم القلب، لا يعرفه إلا مَن له حِس به، وكلَّما كانت المحبَّة أقوى وأشدَّ، كان الصدرُ أفسحَ وأشرحَ، ولا يَضيق إلا عند رؤية البطَّالين الفارِغين من هذا الشأن، فرؤيتُهم قَذَى عينه، ومخالطتهم حُمَّى روحه.
ومِنْ أعظم أَسباب ضيق الصدر: الإعراضُ عن الله تعالى، وتعلُّقُ القلب بغيره، والغفلةُ عن ذِكره، ومحبةُ سواه، فإن مَن أحبَّ شيئاً غيرَ الله عُذِّبَ به، وسُجِنَ قلبُه في محبة ذلك الغير، فما في الأرض أشقى منه، ولا أكسف بالاً، ولا أنكد عيشاً، ولا أتعب قلباً، فهما محبتان: محبة هي جنة الدنيا، وسرور النفس، ولذةُ القلب، ونعيم الروح، وغِذاؤها، ودواؤُها، بل حياتُها وقُرَّةُ عينها، وهى محبةُ الله وحدَه بكُلِّ القلب، وانجذابُ قوى الميل، والإرادة، والمحبة كلِّها إليه.
ومحبةٌ هي عذاب الروح، وغمُّ النفس، وسِجْنُ القلب، وضِيقُ الصدر، وهى سببُ الألم والنكد والعناء، وهى محبة ما سواه سبحانه.
ومن أسباب شرح الصدر: دوامُ ذِكره على كُلِّ حال، وفى كُلِّ موطن، فللذِكْر تأثير عجيب في انشراح الصدر، ونعيم القلب، وللغفلة تأثيرٌ عجيب في ضِيقه وحبسه وعذابه.
ومنها: الإحسانُ إلى الخَلْق ونفعُهم بما يمكنه من المال، والجاهِ، والنفع بالبدن، وأنواع الإحسان، فإن الكريم المحسنَ أشرحُ الناس صدراً، وأطيبُهم نفساً، وأنعمُهم قلباً، والبخيلُ الذي ليس فيه إحسان أضيقُ الناسِ صدراً، وأنكدُهم عيشاً، وأعظمُهم همَّاً وغمَّاً. وقد ضرب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الصحيح مثلاً للبخيل والمتصدِّق، كمَثَل رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّمَا هَمَّ المُتَصَدِّقُ بِصَدَقَةٍ، اتَّسَعَتْ عَلَيْهِ وَانْبَسَطَتْ، حَتَّى يَجُرَّ ثِيَابِهُ وَيُعْفِىَ أثَرَهُ، وكُلَّمَا هَمَّ البَخِيلُ بِالصَّدَقَةِ، لَزِمَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا، وَلَمْ تَتَّسِعْ عَلَيْهِ. فهذا مَثَلُ انشِراحِ صدر المؤمن المتصدِّق، وانفساح قلبه، ومثلُ ضِيقِ صدر البخيل وانحصارِ قلبه.
ومنها: الشجاعة، فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع البطان، متَّسِعُ القلب، والجبانُ: أضيق الناس صدراً، وأحصرُهم قلباً، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذَّة له، ولا نعيم إلا منْ جنس ما للحيوان البهيمي، وأما سرور الروح، ولذَّتُها، ونعيمُها، وابتهاجُها، فمحرَّمٌ على كل جبان، كما هو محرَّم علِى كل بخيلٍ، وعلى كُلِّ مُعرِض عن الله سبحانه، غافلٍ عن ذِكره، جاهلٍ به وبأسمائه تعالى وصفاته، ودِينه، متعلق القلبِ بغيره. وإن هذا النعيم والسرور، يصير في القبر رياضاً وجنة، وذلك الضيقُ والحصر، ينقلبُ في القبر عذاباً وسجناً. فحال العبد في القبر. كحال القلب في الصدر، نعيماً وعذاباً وسجناً وانطلاقاً، ولا عبرةَ بانشراح صدر هذا لعارض، ولا بضيق صدرِ هذا لعارض، فإن العوارِضَ تزولُ بزوال أسبابها، وإنما المعوَّلُ على الصِّفة التي قامت بالقلب تُوجب انشراحه وحبسه، فهي الميزان.. والله المستعان.
ومنها بل من أعظمها: إخراجُ دَغَلِ القَلْبِ من الصفات المذمومة التي تُوجب ضيقه وعذابه، وتحولُ بينه وبين حصول البُرء، فإن الإنسان إذا أتى الأسباب التي تشرحُ صدره، ولم يُخرِجْ تلك الأوصافَ المذمومة من قلبه، لم يحظَ مِن انشراح صدره بطائل، وغايته أن يكون له مادتان تعتوِرَانِ على قلبه، وهو للمادة الغالبة عليه منهما.
ومنها: تركُ فضولِ النظر، والكلام، والاستماع، والمخالطةِ، والأكل، والنوم، فإن هذه الفضولَ تستحيلُ آلاماً وغموماً، وهموماً في القلب، تحصُرُه، وتحبِسه، وتضيِّقهُ، ويتعذَّبُ بها، بل غالِبُ عذابِ الدنيا والآخرة منها، فلا إله إلا اللهُ ما أضيقُ صدَر مَن ضرب في كل آفةٍ من هذه الآفات بسهم، وما أنكَدَ عيشَه، وما أسوأ حاله، وما أشدَّ حصرَ قلبه، ولا إله إلا الله، ما أنعمَ عيشَ مَنْ ضرب في كل خَصلةٍ من تلك الخصال المحمودة بسهم، وكانت همتُّه دائرةً عليها، حائمةً حولها، فلهذا نصيب وافر مِنْ قوله تعالى: {إنَّ الأَبْرَارَ لَفِى نَعِيم} [الانفطار: 13] ولذلك نصيب وافر من قوله تعالى: {وإنَّ الفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ} [الانفطار: 14] وبينهما مراتبُ متفاوتة لا يُحصيها إلا الله تبارك وتعالى.
ورسولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان أكملَ الخلق في كلِّ صفة يحصُل بها انشراحُ الصدر، واتِّساعُ القلب، وقُرَّةُ العين، وحياةُ الروح، فهو أكملُ الخلق في هذا الشرح والحياة، وقُرَّةِ العين مع ما خُصَّ به من الشرح الحِسِّيّ، وأكملُ الخلق متابعة له، أكملُهم انشراحاً ولذَّة وقُرَّة عين، وعلى حسب متابعته ينالُ العبد من انشراح صدره وقُرَّة عينه، ولذَّة روحه ما ينال، فهو صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فى ذُروة الكمال مِن شرح الصدر، ورفع الذِكْر، ووضع الوِزْر، ولأتباعه من ذلك بحسب نصيبهم من اتِّباعه.. والله المستعانُ.
وهكذا لأتباعه نصيبٌ من حفظ الله لهم، وعصمتِه إياهم، ودفاعِه عنهم، وإعزازه لهم، ونصرِه لهم، بحسب نصيبهم من المتابعة، فمستقِلُّ ومستكثِر، فمَن وجد خيراً، فليحمد الله. ومَن وجد غير ذلك، فلا يلومنَّ إلا نفسه.






۞ أقرأ أيضاً ::

محركات القلوب إلى الله
شيخ الإسلام ابن تيمية

قلبك إن لم تملئه بالحق امتلاء بالباطل
الإمام ابن قيم الجوزية

الفتنة نوعان
الإمام ابن قيم الجوزية

كبائر القلب
الإمام محمد بن عبد الوهاب

مقارنة لطيفة بين الصدق والكذب
شيخ الإسلام ابن تيمية

فوائد عظيمة للمعتبرين من قصة إبليس اللعين
الإمام محمد بن عبد الوهاب

---~--~----~------------~-------~--~--

الخميس، 14 مايو 2009

الأخلاق الفاسدة ومداواتها



من امتحن بالعجب فليفكر في عيوبه، فإن أعجب بفضائله فليفتش ما فيه من الأخلاق الدنيئة، فإن خفيت عليه عيوبه جملة حتى يظن أنه لا عيب فيه، فليعلم أن مصيبته إلى الأبد، وأنه لأتم الناس نقصاً، وأعظمهم عيوباً. وأضعفهم تمييزاً. وأول ذلك أنه ضعيف العقل، جاهل، ولا عيب أشد من هذين، لأن العاقل هو من ميز عيوب نفسه فغالبها وسعى في قمعها، والأحمق هو الذي يجهل عيوب نفسه، إما لقلة علمه وتمييزه وضعف فكرته، وإما لأنه يقدر أن عيوبه خصال، وهذا أشد عيب في الأرض. وفي الناس كثير يفخرون بالزنا واللياطة والسرقة والظلم فيعجب بتأتي هذه النحوس له، وبقوته على هذه المخازي.


واعلم يقيناً: أنه لا يسلم إنسي من نقص، حاشا الأنبياء صلوات الله عليهم فمن خفيت عليه عيوب نفسه فقد سقط، وصار من السخف والضعة والرذالة والخسة وضعف التمييز والعقل وقلة الفهم، بحيث لا يتخلف عنه مختلف من الأرذال، وبحيث ليس تحته منزلة من الدناءة، فليتدارك نفسه بالبحث عن عيوبه، والاشتغال بذلك، عن الإعجاب بها وعن عيوب غيره التي لا تضره في الدنيا ولا في الآخرة. وما أدري لسماع عيوب الناس خصلة إلا الاتعاظ بما يسمع المرء منها، فيجتنبها ويسعى في إزالة ما فيه منها بحول الله تعالى وقوته.
وأما النطق بعيوب الناس فعيب كبير، لا يسوغ أصلاً. والواجب اجتنابه، إلا في نصيحة من يتوقع عليه الأذى بمداخلة المعيب، أو على سبيل تبكيت المعجب فقط، في وجهه لا خلف ظهره، ثم يقول للمعجب ارجع إلى نفسك، فإذا ميزت عيوبها فقد داويت عجبك، ولا تمثل بين نفسك وبين من هو أكثر عيوباً منها، فتستسهل الرذائل، وتكون مقلداً لأهل الشر، وقد ذم تقليد أهل الخير، فكيف تقليد أهل الشر! لكن مثل بين نفسك وبين من هو أفضل منك، فحينئذ يتلف عجبك وتفيق من هذا الداء القبيح الذي يولد عليك الاستخفاف بالناس، وفيهم بلا شك من هو خير منك. فإذا استخففت بهم بغير حق، استخفوا بك بحق، لأن الله تعالى يقول " وجزاء سيئة سيئة مثلها " فتولد على نفسك أن تكون أهلاً للاستخفاف بك، بل على الحقيقة مع مقت الله عز وجل وطمس ما فيك من فضيلة .
فإن أعجبت بعقلك ففكر في كل فكرة سوء تحل بخاطرك وفي أضاليل الأماني الطائفة بك، فإنك تعلم نقص عقلك حينئذ.


وإن أعجبت بآرائك، فتفكر في سقطاتك واحفظها ولا تنسها، وفي كل رأي قدرته صواباً فخرج بخلاف تقديرك، وأصاب غيرك، وأخطأت أنت. فإنك إن فعلت ذلك، فأقل أحوالك أن يوازن سقوط رأيك بصوابه، فتخرج لا لك ولا عليك، والأغلب أن خطأك أكثر من صوابك، وهكذا كل أحد من الناس بعد النبيين صلوات الله عليهم. وإن أعجبت بعملك، فتفكر في معاصيك وفي تقصيرك وفي معاشك ووجوهه، فو الله لتجدن من ذلك ما يغلب على خيرك، ويعفي على حسناتك، فليطل همك حينئذ، وأبدل من العجب تنقصاً لنفسك.


وإن أعجبت بعلمك، فاعلم أنه لا خصلة لك فيه، وأنه موهبة من الله مجردة، وهبك إياها ربك تعالى، فلا تقابلها بما يسخطه، فلعله ينسيك ذلك بعلة يمتحنك بها، تولد عليك نسيان ما علمت وحفظت. ولقد أخبرني عبد الملك بن طريف، وهو من أهل العلم والذكاء واعتدال الأحوال وصحة البحث، أنه كان ذا حظ من الحفظ عظيم، لا يكاد يمر على سمعه شيء يحتاج إلى استعادته، وأنه ركب البحر فمر به فيه هول شديد أنساه أكثر ما كان يحفظ، وأخل بقوة حفظه إخلالاً شديداً، لم يعاوده ذلك الذكاء بعد. وأنا أصابتني علة، فأفقت منها وقد ذهب ما كنت أحفظ إلا ما لا قدر له، فما عاودته إلا بعد أعوام.


واعلم أن كثيراً من أهل الحرص على العلم يجدون في القراءة والإكباب على الدروس والطلب، تم لا يرزقون منه حظاً. فليعلم ذو العلم أنه لو كان بالإكباب وحده لكان غيره فوقه، فصح أنه موهبة من الله تعالى، فأي مكان للعجب ها هنا! ما هذا إلا موضع تواضع وشكر لله تعالى، واستزادة من نعمه، واستعاذة من سلبها. ثم تفكر أيضاً في أن ما خفي عليك وجهلته من أنواع العلم، ثم من أصناف علمك الذي تختص به. فالذي أعجبت بنفاذك فيه أكثر مما تعلم من ذلك، فاجعل مكان العجب استنقاصاً لنفسك واستقصاراً لها، فهو أولى، وتفكر فيمن كان أعلم منك، تجدهم كثيراً، فلتهن نفسك عندك حينئذ، وتفكر في إخلالك بعلمك، وأنك لا تعمل بما علمت منه، فلعلمك عليك حجة حينئذ، ولقد كان أسلم لك لو لم تكن عالماً.


واعلم أن الجاهل حينئذ أعقل منك وأحسن حالاً وأعذر، فليسقط عجبك بالكلية. ثم لعل علمك الذي تعجب بنفاذك فيه من العلوم المتأخرة التي لا كبير خصلة فيها، كالشعر وما جرى مجراه، فانظر حينئذ إلى من علمه أجل من علمك في مراتب الدنيا والآخرة، فتهون نفسك عليك، وإن أعجبت بشجاعتك، فتفكر فيمن هو أشجع منك. ثم انظر في تلك النجدة التي منحك الله تعالى فيم صرفتها، فإن كنت صرفتها في معصية، فأنت أحمق، لأنك بذلت نفسك فيما ليس ثمناً لها، وإن كنت صرفتها في طاعة، فقد أفسدتها بعجبك. ثم تفكر في زوالها عنك بالشيخوخة وأنك إن عشت فستصير من عدد العيال، وكالصبي ضعفاً.


على أني ما رأيت العجب في طائفة أقل منه في أهل الشجاعة، فاستدللت بذلك على نزاهة أنفسهم ورفعتها وعلوها. وإن أعجبت بجاهك في دنياك فتفكر في مخالفيك وأندادك ونظرائك، ولعلهم أخساء وضعفاء سقاط، فاعلم أنهم أمثالك فيما أنت فيه، ولعلهم ممن يستحيا من التشبه بهم لفرط رذالتهم وخساستهم في أنفسهم وأخلاقهم ومنابتهم، فاستهن بكل منزلة شاركك فيها من ذكرت لك، وإن كنت مالك الأرض كلها، ولا مخالف عليك، وهذا بعيد جداً في الإمكان، فما نعلم أحداً ملك معمور الأرض كله على قلته وضيق ساحته، بالإضافة إلى غامرها، فكيف إذا أضيف إلى الفلك المحيط، فتفكر فيما قال ابن السماك للرشيد وقد دعا بحضرته بقدح فيه ماء ليشربه، فقال له: يا أمير المؤمنين فلو منعت هذه الشربة بكم كنت ترضى أن تبتاعها؟ فقال له الرشيد: بملكي كله. قال: يا أمير المؤمنين فلو منعت خروجها منك بكم كنت ترضى أن تفتدي من ذلك؟ قال: بملكي كله. قال؟ يا أمير المؤمنين أتغتبط بملك لا يساوي بولة ولا شربة ماء! وصدق ابن السماك رحمه الله.


وإن كنت ملك المسلمين كلهم، فاعلم أن ملك السود، وهو رجل أسود رذل مكشوف العورة جاهل، يملك أوسع من ملكك. فإن قلت أنا أخذنه بحق، فلعمري ما أخذته بحق إذا استعملت فيه رذيلة العجب، وإذا لم تعدل فيه فاستحي من حالك، فهي حالة رذالة لا حالة يجب العجب فيها. وإن أعجبت بمالك، فهذه أسوأ مراتب العجب، فانظر في كل ساقط خسيس هو أغنى منك، في تغبط بحالة يفوقك فيها من ذكرت.


واعلم أن عجبك بالمال حمق، لأنه أحجار لا تنتفع بها إلا أن تخرجها عن ملكك بنفقتها في وجهها فقط، والمال أيضاً غاد ورائح، وربما زال عنك، ورأيته بعينه في يد غيرك. ولعل ذلك يكون في يد عدوك، فالعجب بمثل هذا سخف، والثقة به غرور وضعف. وإن أعجبت بحسنك، ففكر فيما يولد عليك مما نستحي نحن من إثباته، وتستحي أنت منه إذا ذهب عنك بدخولك في السن، وفيما ذكرنا كفاية.


وإن أعجبت بمدح إخوانك لك، ففكر في ذم أعدائك إياك، فحينئذ ينجلي عنك العجب. فإن لم يكن لك عدو، فلا خير فيك ولا منزلة أسقط من منزلة من لا عدو له، فليست إلا منزلة من ليس لله تعالى عنده نعمة يحسد عليها، عافانا الله. فإن استحقرت عيوبك، ففكر فيها لو ظهرت إلى الناس، وتمثل إطلاعهم عليها، فحينئذ تخجل، وتعرف قدر نقصك إن كانت لك مسكة من تمييز.


واعلم بأنك إن تعلمت كيفية تركيب الطبائع، وتولد الأخلاق من امتزاج عناصرها المحمولة في النفس، فستقف من ذلك وقوف يقين على أن فضائلك لا خصلة لك فيها، وأنها منح من الله تعالى لو منحها غيرك لكان مثلك، وأنك لو وكلت إلى نفسك لعجزت وهلكت، فاجعل بدل عجبك بها شكراً لواهبك إياها وإشفاقاً من زوالها، فقد تتغير الأخلاق الحميدة بالمرض وبالفقر وبالخوف وبالغضب بالهرم. وارحم من منع ما منحت، ولا تتعرض لزوال ما بك من النعم بالتعاصي على واهبها تعالى، وبأن تجعل لنفسك فيما وهبك خصلة أو حقاً، فتقدر أنك استغنيت عن عصمته فتهلك عاجلاً أو آجلاً.


وإن أعجبت بنسبك، فهذه أسوأ من كل ما ذكرنا، لأن هذا الذي أعجبت به لا فائدة له أصلاً في دنيا ولا آخرة. وانظر هل يدفع عنك جوعة. أو يستر لك عورة، أو ينفعك في آخرتك؟ ثم انظر إلى من يساهمك في نسبك وربما فيما أعلى منه ممن نالته ولادة الأنبياء عليهم السلام ثم ولادة الخلفاء، ثم ولادة الفضلاء من الصحابة والعلماء، ثم ولادة ملوك العجم من الأكاسرة والقياصرة، ثم ولادة التبابعة، وسائر ملوك الإسلام. فتأمل غبراتهم وبقاياهم، ومن يدلي بمثل ما تدلي به من ذلك، تجد أكثرهم أمثال الكلاب خساسة، وتلفهم في غاية السقوط والرذالة والتبدل والتحلي بالصفات المذمومة، فلا تغتبط بمنزلة هم فيها نظراؤك أو فوقك.


ثم لعل الآباء الذين تفخر بهم كانوا فساقاً وشربة خمور ولاطة ومتعبثين، ونوكى، أطلقت الأيام أيديهم بالظلم والجور، فأنتجوا ظلماً وآثاراً قبيحة، تبقي عارهم بذلك الأيام، ويعظم إثمهم والندم عليها يوم الحساب. فإن كان كذلك، فاعلم أن الذي أعجبت به من ذلك داخل في العيب والخزي والعار والشنار لا في الإعجاب. فإن أعجبت بولادة الفضلاء إياك، فما أخلى يدك من فضلهم إن لم تكن أنت فاضلاً، وما أقل غناهم عنك في الدنيا والآخرة إن لم تكن محسناً! والناس كلهم أولاد آدم الذي خلقه الله بيده، وأسكنه جنته، وأسجد له ملائكته. ولكن ما أقل نفعه لهم، وفيه كل معيب، وكل فاسق، وكل كافر. وإذا فكر العاقل في أن فضل آبائه لا يقربه من ربه تعالى، ولا يكسبه وجاهة لم يحزها هو بسعده أو بفضله في نفسه ولا مالاً، فأي معنى الإعجاب بما لا منفعة فيه! وهل المعجب بذلك إلا كالمعجب بمال جاره، وبجاه غيره، ويفرس لغيره سبق كان علي رأسه لجامه! وكما تقول العامة في أمثالها كالغبي يزهى بذكاء أبيه، فإن تعدى بك العجب إلى الامتداح فقد تضاعف سقوطك، لأنه قد عجز عقلك عن مقاومة ما فيك من العجب، هذا إن امتدحت بحق، فكيف إن امتدحت بالكذب! وقد كان ابن نوح وأبو إبراهيم وأبو لهب عم النبي صلى الله عليه وسلم أقرب الناس من أفضل خلق الله تعالى، وممن الشرف كله في اتباعهم، فما انتفعوا بذلك، وقد كان فيمن ولد لغير رشده من كان الغاية في رياسة الدنيا، كزياد، وأبي مسلم، ومن كان نهاية في الفضل على الحقيقة كبعض من نجله عن ذكره في مثل هذا الفصل، ممن يتقرب إلى الله تعالى بحبه، والاقتداء بحميد آثاره. وإن أعجبت بقوة جسمك فتفكر في أن البغل والحمار والثور أقوى منك وأحمل للأثقال، وإن أعجبت بخفتك فاعلم أن الكلب والأرنب يفوقانك في هذا الباب، فمن العجب العجيب، إعجاب ناطق بخصلة يفوقه فيها غير الناطق.


واعلم أن من قدر في نفسه عجباً، أو ظن لها على سائر الناس فضلاً، فلينظر إلى صبره عندما يدهمه من هم أو نكبة أو وجع أو دمل أو مصيبة، فإن رأى نفسه قليلة الصبر، فليعلم أن جميع أهل البلاء من المجذومين، وغيرهم الصابرين، أفضل منه على تأخر طبقتهم في التمييز. وإن رأى نفسه صابرة، فليعلم أنه لم يأت بشيء يسبق فيه على ما ذكرنا، بل هو إما متأخر عنهم في ذلك، أو مساو لهم ولا مزيد. ثم لينظر إلى سيرته وعدله أو جوره فيما خوله الله من نعمة أو مال أو خول أو أتباع أو صحة أو جاه، فإن وجد نفسه مقصرة فيما يلزمه من الشكر لواهبه تعالى، ووجدها خائفة في العدل، فليعلم أن أهل العدل والشكر والسيرة الحسنة من المخولين أكثر مما هو فيه، أفضل منه، فإن رأى نفسه ملتزمة للعدل، فالعادل بعيد عن العجب ألبتة، لعلمه بموازين الأشياء، ومقادير الأخلاق، والتزامه التوسط الذي هو الاعتدال بين الطرفين المذمومين، فإن أعجب فلم يعدل، بل قد مال إلى جنبة الإفراط المذمومة.


واعلم أن التعسف وسوء الملكة لمن خولك الله تعالى أمره من رقيق أو رعية، يدلان على خساسة النفس ودناءة الهمة، وضعف العقل، لأن العاقل الرفيع النفس، العالي الهمة، إنما يغلب أكفاءه في القوة، ونظراءه في المنعة. وأما الاستطالة على من لا يمكنه المعارضة، فسقوط في الطبع، ورذالة في النفس والخلق، وعجز ومهانة. ومن فعل ذلك فهو بمنزلة من يتبجح بقتل جرذ أو بقتل برغوث أو بفرك قملة، وحسبك بهذا ضعة وخساسة.


واعلم أن رياضة الأنفس أصعب من رياضة الأسد، لأن الأسد إذا سجنت في البيوت التي تتخذ لها الملوك، أمن شرها، والنفس وإن سجنت لم يؤمن شرها.


العجب أصل يتفرع عنه التيه والزهور والكبر والنخوة والتعالي، وهذه أسماء واقعة على معان متقاربة. ولذلك صعب الفرق بينها على أكثر الناس. فقد يكون العجب لفضيلة في المعجب ظاهرة، فمن معجب بعلمه فيكفهر ويتعالى على الناس، ومن معجب بعمله فيرتفع، ومن معجب برأيه فيزهو على غيره، ومن معجب بنسبه فيتيه، ومن معجب بجاهه وعلو حاله فيتكبر ويتنخى. وأقل مراتب العجب أن تراه يتوفر عن الضحك في مواضع الضحك، وعن خفة الحركات، وعن الكلام إلا فيما لا بد له من أمور دنياه. وعيب هذا أقل من عيب غيره، ولو فعل هذه الأفاعيل على سبيل الاقتصار على الواجبات، وترك الفضول، لكان ذلك فضلاً وموجباً لحمده، ولكن إنما يفعل ذلك احتقاراً للناس وإعجاباً بنفسه، فحصل له بذلك استحقاق الذم، وإنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، حتى إذا زاد الأمر ولم يكن هناك تمييز يحجب عن توفية العجب حقه، ولا عقل جيد، حدث من ذلك ظهور الاستخفاف بالناس، واحتقارهم بالكلام وفي المعاملة، حتى إذا زاد ذلك وضعف التمييز والعقل، ترقى ذلك إلى الاستطالة على الناس بالأذى بالأيدي، والتحكم والظلم، والطغيان، واقتضاء الطاعة لنفسه، والخضوع لها إن أمكنه ذلك. فإن لم يقدر على ذلك امتدح بلسانه، واقتصر على ذم الناس والاستهزاء بهم.


وقد يكون العجب لغير معنى ولغير فضيلة في المعجب، وهذا من عجيب ما يقع في هذا الباب، وهو شيء يسميه عامتنا التمترك وكثيراً ما نراه في النساء، وفيمن عقله قريب من عقولهن من الرجال، وهو عجب من ليس فيه خصلة أصلاً، لا علم ولا شجاعة ولا علو حال ولا نسب رفيع ولا مال يطغيه، وهو يعلم مع ذلك أنه صفر من ذلك كله، لأن هذه الأمور لا يغلط فيها من يقذف بالحجارة، وإنما يغلط فيها من له أدنى حظ منها، فربما يتوهم إن كان ضعيف العقل أنه قد بلغ الغاية القصوى منها، كمن له حظ من علم، فهو يظن أنه عالم كامل، أو كمن له نسب معرق في ظلمة، وتجدهم لم يكونوا أيضاً رفعاء في ظلمهم، فتجده لو كان ابن فرعون ذي الأوتاد ما زاد على إعجابه الذي فيه، أو له شيء من فروسية، فهو يقدر أنه يهزم علياً، ويأسر الزبير، ويقتل خالداً. أو له شيء من جاه رذل، فهو لا يرى الإسكندر على حال. أو يكون قوياً على أن يكسب ما يتوفر بيده مويل يفضل عن قوته، فلو أخذ بقرني الشمس لم يزد على ما هو فيه. وليس يكثر العجب من هؤلاء وإن كانوا عجباً لكن ممن لا حظ له من علم أصلاً، ولا نسب البتة، ولا مال ولا جاه ولا نجده، بل تراه في كفالة غيره مهتضماً لكل من له أدنى طاقة، وهو يعلم أنه خال من كل ذلك، وأنه لا حظ له في شيء من ذلك، ثم هو مع ذلك في حالة المزهو التياه.


ولقد تسببت إلى سؤال بعضهم في رفق ولين عن سبب علو نفسه واحتقاره الناس، فما وجدت عنده مزيداً على أن قال لي: أنا حر لست عبد أحد. فقلت له: أكثر من تراه يشاركك في هذه الفضيلة، فهم أحرار مثلك، لا قوماً من العبيد، هم أطول منك يداً، وأمرهم نافذ عليك وعلى كثير من الأحرار. فلم أجد عنده زيادة. فرجعت إلى تفتيش أحوالهم ومراعاتها، ففكرت في ذلك سنين لأعلم السبب الباعث لهم على هذا العجب الذي لا سبب له، فلم أزل أختبر ما تنطوي عليه نفوسهم بما يبدو من أحوالهم، ومن مراميهم في كلامهم، فاستقر أمرهم على أنهم يقدرون أن عندهم فضل عقل، وتميز رأي أصيل، لو أمكنتهم الأيام من تصريفه لوجدوا فيه متسعاً، ولأداروا الممالك الرفيعة، ولبان فضلهم على سائر الناس، ولو ملكوا مالاً لأحسنوا تصريفه.


فمن ها هنا تسرب التيه إليهم، وسرى العجب فيهم، وهذا مكان فيه للكلام شعب عجيب، ومعارضة معترضة. وهو أنه ليس شيء من الفضائل، كلما كان المرء منه أعرى، قوي ظنه في أنه قد استولى عليه، واستمر يقينه في أنه قد كمل فيه، إلا العقل والتمييز. حتى إنك تجد المجنون المطبق، والسكران الطافح، يسخران بالصحيح، والجاهل الناقص، يهزأ بالحكماء وأفاضل العلماء، والصبيان الصغار، يتهكمون بالكهول، والسفهاء العيارين، يستخفون بالعقلاء المتصاونين، وضعفة النساء، يستنقصن عقول أكابر الرجال وآراءهم.


وبالجملة فكلما نقص العقل توهم صاحبه أنه أوفر الناس عقلاً، وأكمل تمييزاً. ولا يعرض هذا في سائر الفضائل، فإن العاري منها جملة، يدري أنه عار منها، وإنما يدخل الغلط على من له أدنى حظ منها وإن قل فإنه يتوهم حينئذ إن كان ضعيف التمييز أنه عالي الدرجة فيه. ودواء من ذكرنا الفقر والخمول، فلا دواء لهم أنجع منه، وإلا فداؤهم وضررهم على الناس عظيم جداً، فلا تجدهم إلا عيابين للناس، وقاعين في الأعراض، مستهزئين بالجميع، مجانبين للحقائق، مكبين على الفضول. وربما كانوا مع ذلك متعرضين للمشاتمة والمهارشة، وربما قصدوا الملاطمة والمضاربة عند أدنى سبب يعرض لهم.


وقد يكون العجب كميناً في المرء، حتى إذا حصل على أدنى مال أو جاه، ظهر ذلك عليه، وعجز عقله عن قمعه وستره. ومن ظريف ما رأيت في بعض أهل الضعف، أن منهم من يغلبه ما يضمر من محبة ولده الصغير، وامرأته، حتى يصفها بالعقل في المحافل، وحتى إنه يقول: هي أعقل مني وأنا أتبرك بوصيتها. وأما مدحه إياها بالجمال والحسن والعافية، فكثير في أهل الضعف جداً، حتى كأنه لو كان خاطبها ما زاد على ما يقول في ترغيب السامع في وصفها، ولا يكون هذا إلا في ضعيف العقل، عار من العجب بنفسه.







الثلاثاء، 12 مايو 2009

قــصــة داعــيــة



بسم الله الرحمن الرحيم


السلام عليكم و رحمة الله و بركاته,,,هذه القصة طويلة بعض الشيء ولكنها مفيدة جداً.


رجاء لكل من يحاول الدعوة لله سبحانه وتعالى ولو في حدود ضيقة, أكمل قراءة القصة إلى نهايتها لعلك تستفيد منها وتفيد بها إن شاء الله.


في إحدى المدن بالمملكة كانت هناك امرأة تسكن مع زوجها وأولادها وبناتها في إحدى الأحياء وكان المسجد ملاصق لبيتها تماماً إلا أن الله ابتلاها بزوج سكير.


لا يمر يوم أو يومين إلا ويضربها هي وبناتها وأولادها ويخرجهم إلى الشارع.كان أغلب من في الحي يشفقون عليها وعلى أبنائها وبناتها إذا مروا بها ويدخلون إلى المسجد لأداء الصلاة ثم ينصرفون إلى بيوتهم ولا يساعدونها بشيء ولو بكلمة عزاء، وكم كانوا يشاهدون تلك المرأة المسكينة وبناتها وأولادها الصغار بجوار باب بيتها تنتظر زوجها المخمور أن يفتح لها الباب ويدخلها بعد أن طردها هي وأولادها ولكن لا حياة لمن تنادي، فإذا تأكدت من أنه نام جعلت أحد أبنائها يقفز إلى الداخل ويفتح لها، وتدخل بيتها وتقفل باب الغرفة على زوجها المخمور إلى أن يستيقظ من سكره وتبدأ بالصلاة و البكاء بين يدي الله عز وجل تدعو لزوجها بالهداية والمغفرة.لم يستطع أحد من جماعة المسجد بما فيهم إمام المسجد والمؤذن أن يتحدث مع هذا الزوج السكير وينصحه، ولو من أجل تلك المرأة المعذبة وأبنائها لمعرفتهم أنه رجل سكير لا يخاف الله باطش له مشاكل كثيرة مع جيرانه في الحي فظ غليظ القلب لا ينكر منكراً ولا يعرف معروف وكما نقول بالعامية (خريج سجون) فلا يكاد يخرج من السجن حتى يعود إليه.الزوجة المسكينة كانت تدعو لزوجها السكير في الثلث الأخير من الليل وتتضرع إلى الله بأسمائه العلى وبأحب أعمالها لديه أن يهدي قلب زوجها إلى الإيمان، وأكثر أيامها كانت تدعو له بينما هي وأبناءها تعاني الأمرين فلا أحد يرحمها من هذا العناء غير الله فلا أخوة ولا أب ولا أم يعطف عليها الكل قد تخلى عنها والكل لا يحس بها وبمعاناتها فقد أصبحت منبوذة من الجيران والأهل بسبب تصرفات زوجها.


في إحدى المرات وبينما كانت تزور إحدى صديقاتها في حي آخر مجاور لهم تكلمت وفتحت صدرها لصديقتها وشرحت لها معاناتها وما يفعله بها زوجها وببناتها وأبناءها إذا غاب تحت مفعول المسكر، تعاطفت معها قلباً وقالباً وقالت لها: اطمئني، سوف أكلم زوجي لكي يزوره وينصحه وكان زوجها شاباً صالحاً حكيماً ويحب الخير للناس ويحفظ كتاب الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فوافقت بشرط أن لا يقول له بأنها هي التي طلبت هذا حتى لا يغضب منها زوجها السكير ويضربها ويطردها من البيت إلى الشارع مرة أخرى لو علم بذلك، فوافقت على أن يكون هذا الأمر سر بينهما فقط .


ذهب زوج صديقتها إلى زوجها بعد صلاة العشاء مباشرة لزيارة زوج تلك المرأة وطرق الباب عليه فخرج له يترنح من السكر ففتح له الباب فوجده إنسان جميل المنظر له لحية سوداء طويلة ووجه يشع من النور والجمال ولم يبلغ الخامسة والعشرين من عمره والزوج السكير كان في الأربعين من عمره على وجهه علامات الغضب والبعد عن الله عز وجل فنظر إليه وقال له: من أنت وماذا تريد؟فقال له: أنا فلان بن فلان وأحبك في الله وجئتك زائراً ولم يكد يكمل حديثه حتى بصق في وجهه وسبه وشتمه وقال له بلهجة عامية شديدة الوقاحة: لعنة الله عليك يا كلب، هذا وقت يجيء فيه الناس للزيارة، انقلع عسى الله لا يحفظك أنت وأخُوتك اللي تقول عليها.كانت تفوح من الزوج السكير رائحة الخمرة حتى يخيل له أن الحي كله تفوح منه هذه الرائحة الكريهة، فمسح ما لصق بوجهه من بصاق وقال له: جزاك الله خيراً قد أكون أخطأت وجئتك في وقت غير مناسب ولكن سوف أعود لزيارتك في وقت آخر إن شاء الله، فرد عليه الزوج السكير أنا لا أريد رؤية وجهك مرة أخرى وإن عدت كسّرت رأسك وأغلق الباب في وجه الشاب الصالح وعاد إلى بيته وهو يقول الحمد لله الذى جعلني أجد في سبيل الله وفي سبيل ديني هذا البصاق وهذا الشتم وهذه الإهانة، وكان في داخله إصرار على أن ينقذ هذه المرأة وبناتها من معاناتها، أحس بأن الدنيا كلها سوف تفتح أبوابها له إذا أنقذ تلك الأسرة من الضياع.


فأخذ يدعو الله لهذا السكير في مواطن الاستجابة ويطلب من الله أن يعينه على أن ينقذ تلك الأسرة من معاناتها إلى الأبد، كان الحزن يعتصر قلبه وكان شغله الشاغل أن يرى ذلك السكير من المهتدين.فحاول زيارته عدة مرات وفي أوقات مختلفة فلم يجد إلا ما وجد سابقاً حتى أنه قرر في إحدى المرات أن لا يبرح من أمام بيته إلا ويتكلم معه فطرق عليه الباب يوماً من الأيام فخرج إليه سكران يترنح كعادته وقال له: ألم أطردك من هنا عدة مرات لماذا تصر على الحضور وقد طردتك؟!!فقال له: هذا صحيح ولكني أحبك في الله وأريد الجلوس معك لبضع دقائق والله عز وجل يقول على لسان نبيه صلى الله عليه و سلم: « من عاد أخ له في الله ناداه مناد من السماء أن طبت وطاب ممشاك وتبؤت من الجنة منزلاً».


فخجل السكير من نفسه أمام إلحاح هذه الشاب المستمر رغم ما يلاقاه منه وقال له ولكن أنا الآن أشرب المسكر وأنت يبدو في وجهك الصلاح والتقوى ولا يمكنني أن أسمح لك لكي ترى ما في مجلسي من خمور احتراما لك فقال له: أدخلنى في مكانك الذي تشرب فيه الخمر ودعنا نتحدث وأنت تشرب خمرك فأنا لم آتي إليك لكى أمنعك من الشرب بل جئت لزيارتك فقط فقال السكير: إذا كان الأمر كذلك فتفضل بالدخول فدخل لأول مرة بيته بعد أن وجد الأمرّين في عدم استقباله وطرده وأيقن أن الله يريد شيئاً بهذا الرجل.


أدخله إلى غرفته التى يتناول فيها المسكر وتكلم معه عن عظمة الله وعما أعد الله للمؤمنين في الجنة وما أعد للكافرين في النار وفي اليوم الآخر وفي التوبة وأن الله يحب العبد التائب إذا سأله الهداية ثم تكلم في أجر الزيارة وما إلى ذلك وأن الله يفرح بتوبة العبد التائب فإذا سأله العبد الصالح قال الله له لبيك عبدي (مرة واحدة) وإذا سأله العبد المذنب العاصى لربه قال الله له لبيك لبيك لبيك عبدي (ثلاث مرات) وكان يرى أسارير الرجل السكير تتهلل بالبشر وهو ينصت إليه بجوارحه كلها ولم يحدثه عن الخمرة وحرمتها أبداً وهو يعلم أنها أم الكبائر وخرج من عنده بعد ذلك دون كلمة واحدة في الخمر فأذن له بالخروج على أن يسمح له بين الحين والحين بزيارته فوافق وانصرف.


بعد ذلك بأيام عاد إليه فوجده في سكره، وبمجرد أن طرق الباب عليه رحب به وأدخله إلى المكان الذى يسكر فيه كالعادة فتحدث ذلك الشاب عن الجنة وما عند لله من أجر للتائبين النادمين ولاحظ بأن السكير بدأ يتوقف عن الشرب بينما هو يتكلم فأحس أنه أصبح قريباً منه وأنه بدأ يكسر أصنام الكؤوس في قلبه شيئاً فشيئاً، وأن عدم مواصلته للشرب دليل على أنه بدأ يستوعب ما يقال له، فأخرج من جيبه زجاجة من الطيب الفاخر غالية الثمن فأهداها له وخرج مسرعاً وكان سعيداً بما تحقق له من هذه الزيارة من تقدم ملحوظ .فعاد بعد أيام قليلة لهذا الرجل فوجده في حالة أخرى تماماً وإن كان في حالة سكر شديدة ولكن هذه المرة بعد أن تكلم الشاب عن الجنة وما فيها من نعيم أخذ يبكي السكير كالطفل الصغير ويقول لن يغفر الله لي أبداً، لن يغفر الله لي أبداً وأنا أكره المشائخ وأهل الدين والاستقامة وأكره الناس جميعاً وأكره نفسي وإنني حيوان سكير لن يقبلني الله ولن يقبل توبتي حتى وإن تبت، فلو كان الله يحبني ما جعلني أتعاطى المسكرات ولا جعلني بهذه الحالة وهذا الفسق والفجور الذى أعيش فيه من سنوات مضت، فقال له: الشاب الصالح وهو يحتضنه أن الله يقبل توبتك وأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وأن باب التوبة مفتوح ولن يحول بينك وبين الله أحد وأن السعادة كلها في هذا الدين وأن القادم سوف يكون أجمل لو سألت الله الهداية بقلب صادق مخلص وما عليك إلا أن تسأل الله مخلصاً في طلب الهداية والله عز وجل يقبلك وأن قيمته عند الله عظيمة، وأشار إليه بأنه على سفر الآن مع مجموعة من أصدقائه المشائخ إلى مكة المكرمة وعرض عليه أن يرافقهم فقال له: السكير وهو منكسر القلب ولكن أنا سكران وأصدقائك المشائخ لن يقبلوا بمرافقتي فقال له: لا عليك هم يحبونك مثلي ولا مانع لديهم أن ترافقهم بحالتك الراهنة فكل ما في الأمر هو أن نذهب إلى مكة المكرمة للعمرة فإذا انتهينا عدنا إلى مدينتنا مرة أخرى وخلال رحلتنا سوف نسعد بوجودك بيننا فقال السكير: وهل تسمحون لي أن آخذ زجاجتي معي فأنا لا أستغني عنها لحظة واحدة فقال له: الشاب الصالح بكل سرور خذها معك إن كان لابد من أخذها.


كانت نظرة هذا الشاب الصالح بعيدة جداً جداً رغم خطورة أن يحمل زجاجة الخمر في سيارته وأن يحمل معه شخصاً سكيراً وسكران في نفس الوقت فالطريق إلى مكة ممتلئ بدوريات الشرطة ولكنه قرر المجازفة من أجل إنقاذ هذه المرأة وأبناءها فمن يسعى لتحقق هدف عظيم تهون عنده الصغائر.


فقال له: قم الآن واغتسل وتوضأ والبس إحرامك فخرج إلى سيارته وأعطاه ملابس الإحرام الخاصة به على أن يشتري هو غيرها فيما بعد، فأخذها ودخل إلى داخل البيت وهو يترنح وقال لزوجته أنا سوف أذهب إلى مكة للعمرة مع المشايخ فتهللت أسارير زوجته فرحاً بهذا الخبر وأعدت حقيبته ودخل إلى الحمام يغتسل وخرج ملتفاً بإحرامه وهو مازال في حالة سكره وكان الرجل الشاب الصالح البطل المغامر يستعجله حتى لا يعود في كلامه فلا يرافقهم، ولم يصدق أن تأتي هذه الفرصة العظيمة لكي ينفرد به عدة أيام ويبعده عن السكر وأصدقاء السوء فلو أفاق فربما لن يذهب معهم أو يدخل الشيطان له من عدة أبواب فيمنعه من مرافقته فعندما خرج إليه أخذه ووضعه في سيارته وذهب مسرعاً به بعد أن اتصل على أصدقائه من الأخوة الملتزمين الذين تظهر عليهم سمات الدين والصلاح والتقوى لكي يمر عليهم في منازلهم ويصطحبهم في هذه الرحلة التاريخية.


انطلقت السيارة باتجاه مكة المكرمة، وكان الشاب الصالح على مقودها وبجواره السكير وفي المقعدة الخلفية اثنان من أصدقائه الذى مر عليهم وأخذهم معه، فقرؤوا طوال الطريق قصار السور وبعض الأحاديث النبوية من صحيح البخاري وكلها في التوبة وفي الترغيب والترهيب بما عند الله من خير جزيل وفي فضائل الأعمال، كان السكير لا يعرف قراءة الفاتحة و(يلخبط) بها ويكسر فيها كيفما شاء، و عندما يأتي الدور عليه يقرؤونها قبله ثلاثة مرات حتى يصححوا له ما أخطأ فيها بدون أن يقولوا له أنت أخطأت وأنه لا يعقل أن يخطىء أحد في الفاتحة، وهكذا حتى انتهوا من قراءة قصار السور عدة مرات، وقرؤوا الأحاديث المختلفة في فضائل الأعمال وهو يسمع ولا يبدي حراك وقبل الوصول إلى مكة قرروا الثلاثة الأصدقاء أن لا يدخلوا مكة إلا وقد أفاق تماماً صاحبهم من السكر فقرروا المبيت في إحدى الاستراحات على الطريق بحجة أنهم تعبوا ويريدون النوم إلى الصباح ومن ثم يواصلون مسيرهم وكان يلح عليهم بأنه بإمكانه قيادة السيارة على أن يناموا هم أثناء قيادته السيارة فهو لن يأتيه النوم أبداً فقالوا له جزاك الله خير وبارك الله فيك نحن نريد أن نستمتع برحلتنا هذه بصحبتك وأن نقضي أكبر وقت ممكن مع بعضنا البعض فوافق على مضض ودخلوا إحدى الاستراحات المنتشرة على الطريق وأعدوا فراش صاحبهم السكير وجعلوه بينهم حتى يرى ما سوف يفعلونه فقاموا يتذاكرون آداب النوم وكيف ينامون على السنة كما كان المصطفى عليه الصلاة والسلام ينام وكان ينظر إليهم ويقلدهم وما هى إلا بضع دقائق حتى نام ذلك السكير في نوم عميق.


استيقظوا الثلاثة قبل الفجر وأخذوا يصلون في جوف الليل الأخير ويدعون لصاحبهم الذي يغط في نومه من مفعول الكحول وكانوا يسجدون يبكون بين يدى الله أن يهديه ويرده لدينه رداً جميلاً وبينما هو نائم إذ استيقظ ورآهم يصلون قبل الفجر ويبكون ويشهقون بين يدي الله سبحانه وتعالى فدخل في نفسه شيئاً من الخوف وبدأ يستفيق من سكره قليلاً قليلاً، وكان يراقب ما يفعله أولئك الشباب في الليل من تحت الغطاء الذى كان يخفى به جسده الواهي وهمومه الثقيلة وخجله الشديد منهم ومن الله عز وجل.فأخذ يسأل نفسه كيف أذهب مع أناس صالحين يقومون الليل ويبكون من خشية الله وينامون ويأكلون على سنة المصطفى صلى الله عليه و سلم وأنا بحالة سكر، وتشابكت الأسئلة في رأسه حتى بدا غير قادر على النوم مرة أخرى، بعد فترة من الزمن أذن المؤذن للفجر فعادوا إلى فرشهم وكأنهم ناموا الليل مثل صاحبهم وما هي إلا برهة حتى أيقظوه لصلاة الفجر ولم يعلموا بأنه كان يراقب تصرفاتهم من تحت الغطاء فقام وتوضأ ودخل المسجد معهم وصلى الفجر وقد كان متزناً أكثر من ذي قبل حيث بدأت علامات السكر تنجلي تماماً من رأسه فصلى الفجر معهم وعاد إلى الاستراحة بصحبة أصدقائه الذين أحبهم لصفاتهم الجميلة وتمسكهم بالدين وإكرامهم له والتعامل معه بإنسانية راقية لم يرها من قبل.بعدها أحضروا طعام الإفطار وكانوا يقومون بخدمته وكأنه أمير وهم خدم لديه ويكرمونه ويسلمون على رأسه ويلاطفونه بكلمات جميلة بين الحين والحين، فشعر بالسعادة بينهم وأخذ يقارن بينهم وبين جيرانه الذي يقول بأنه يكرههم.انفرجت أسارير الرجل بعد أن وضع الفطور فتذاكروا مع بعضهم البعض آداب تناول الطعام والطعام موجود بين أيديهم هو يسمع ما يقال فأكلوا طعامهم وجلسوا حتى ساعة الإشراق فقاموا وصلوا صلاة الإشراق وعادوا إلى النوم ثانية حتى الساعة العاشرة صباحاً لكي يتأكدوا من أن صاحبهم أفاق تماماً من سكره، ورجع لوضعه الطبيعي فانفرد بصاحبه قليلاً وقال له:كيف أخذتني وأنا سكران مع هؤلاء المشايخ الفضلاء سامحك الله سامحك الله، ثم أني وجدت زجاجتي في السيارة فمن أحضرها فقال له الشاب الصالح: أنا أحضرتها بعد أن رأيتك مصر على أخذها وأنك لن تذهب معنا إلا بها فقال له: وهل شاهدها أصحابك فقال له: لا لم يشاهدوها فهي داخل كيس أسود لا يظهر منها شيئاً فقال الحمد لله أنهم لم يشاهدوها.تحركوا بعد ذلك إلى مكة وصاحبهم معهم ونفس ما قاموا به في بداية رحلتهم قاموا به بعد أن تحركوا فقرؤوا قصار السور وبعض الأحاديث في الترغيب والترهيب أثناء رحلتهم ولكن لاحظوا هذه المرة أنه بدأ يحاول قراءة قصار السور بشكل أفضل من السابق وخلال الطريق تنوعت قراءاتهم فوصلوا إلى مكة المكرمة ودخلوا إلى البيت الحرام وكانوا يكرمون صاحبهم السكير كرماً مبالغاً فيه في بعض الأحيان أملاً في هدايته فطافوا وسعوا وشربوا من زمزم فاستأذنهم أن يذهب إلى الملتزم فأذنوا له وذهب فأمسك بالملتزم وأخذ يبكي بصوت يخيل للشاب الصالح الذي كان يرافقه ويقف بجواره أن أركان الكعبة تهتز من بكاء السكير ونحيبه وأن دموعه أغرقت الساحة المحيطة بالكعبة فكان يسمع بكاءه فيبكي مثله ويسمع دعائه فيؤمن خلفه كان يئن وصاحبه يئن مثله، كان منظراً مروعاً أن ترى منظر بهذا الشكل، كان يدعو الله:أن يقبل توبته ويعاهد الله أن لا يعود إلى الخمرة مرة أخرى وأن يعينه على ذلك، فلم يكن يعرف من الدعاء غير يا رب ارحمني يا رب أسرفت كثيراً فارحمني أنت رب السموات والأرض إن طردتني من باب رحمتك فلمن ألتجئ، إن لم تتب علي فمن سواك يرحمني يا رب إن أبواب مغفرتك مفتوحة وأنا أدعوك يا رب فلا تردني خائباً.


كان دعائه مؤثراً جداً لدرجة أنه أبكى المجاورين له، كان بكائه مريراً جداً تشعر بأن روحه تصعد إلى السماء حين يدعو ربه، كان يبكي ويستغيث حتى ظن صاحبه أن قلبه كاد أن ينفطر، استمر على هذا المنوال أكثر من ساعة وهو يبكي وينتحب ويدعو الله وصاحبه من خلفه يبكي معه.


منظر مؤثر فعلاً حين يجهش بالبكاء رجلاً تجاوز الأربعين ومتعلق بأستار الكعبة، وأكثر ما جعله يبكي هو أنه كان يقول يا رب إن زوجتي أضربها وأطردها إذا غبت في سكري فتب علي يا رب مما فعلت بها، يا رب إن رحمتك وسعت كل شيء وأسألك يا رب أن تسعني رحمتك، يا رب إني أقف بين يديك فلا تردني صفر اليدين.يا رب إن لم ترحمني فمن سواك يرحمني، يا رب إني تائب فاقبلني فقل لي يا رب لبيك لبيك لبيك عبدي، يا رب إني أسألك لا تشح بوجهك عني.يا رب أنظر إلي فإنني ملأت الأرض بالدموع على ما كان مني، يا رب إني بين يديك، وضيف عليك في بيتك الحرام فلا تعاملني بما يعاملني به البشر فالبشر يا رب إن سألتهم منعوني وإن رجوتهم احتقروني، يا رب اشرح صدري وأنر بصيرتي واجعل اللهم نورك يغشاني وكره إلي حب الخمور ما أحييتني يا رب لا تغضب مني ولا تغضب عليّ فكم أغضبتك بذنوبي التي لا تحصى وكنت أعصيك وأنت تنظر إلي.كان صديقه في هذه الأثناء يطلب منه الدعاء له فكان يزداد بكاءه ويقول يا رب أمن مثلي يطلب الدعاء؟!! يا رب إني عصيتك خمس وعشرين عاماً فلا تتركني ولا تدعني أتخبط في الذنوب، يا رب إني فاسق فاجر أقف ببابك فاجعلني من عبادك الصالحين، يا رب إني أسألك الهداية وما قرب إليها من قول أو عمل وأنا خاشع ذليل منكسر بين يديك، يا رب إن ذنوبي ملأت الأرض والسموات فتب علي يا أرحم الراحمين واغفر جميع ذنوبي يا رب السموات والأرض.
فيشهق ويبكي وأحياناً يغلبه البكاء فلا تسمع إلا صوت حزين متقطع من النحيب والبكاء.أذن المؤذن لصلاة العصر فجلسوا للصلاة والسكير التائب مازال متعلقاً بأستار الكعبة يبكي حتى أشفق عليه صديقه وأخذه إلى صفوف المصلين كى يصلي ويستريح من البكاء، أخذه معه وهو يحتضنه كأنه أمه أو كأنه أباه فصلى ركعتين قبل صلاة العصر كانت كلها بكاء بصوت منخفض يقطع القلب ويدخل القشعريرة في أجساد من حوله، إن دعاء زوجته في الليل قد تقبله الله وإن دعاء الشاب الصالح قد نفع وأثمر، وإن دعاء أصدقائه في الليل له قد حقق المقصود من رحلتهم، إن الدعاء صنع انسان آخر بين ليلة وضحاها، فبدأ يرتعد صاحبهم خوفاً من الله حين أحس بحلاوة الإيمان.إن الدعاء في ظهر الغيب حقق النتيجة التي تدله على الهداية، لقد أشفق عليه أصحابه في هذه الرحلة من بكاءه، انقضت الصلاة وخرجوا يبحثون عن فندق مجاور للحرم ولازالت الدموع تملأ وجهه، كان أحدهم يحفظ القرآن عن ظهر قلب هو الآخر، وكان متواضعاً لدرجة كبيرة جداً لا تراه إلا مبتسماً فعندما رأى إقبال صاحبهم التائب إلى الله زاد في إكرامه وبالغ وأصر إلا أن يحمل حذاء ذلك التائب إلا هو وأن يضعه تحت قدميه عند باب الحرم، هذا التصرف من حافظ القرآن فجر في صدره أشياء لا يعلمها إلا الله بل يعجز الخيال عن وصفها حين توصف.وفعلاً حمل حذائه مع حذائه وخرج به إلى خارج الحرم ووضعهما في قدميه وهو فرح بما يقوم به، استأجروا فندق مطل على الحرم، وجلسوا به خمسة أيام وكان صاحبهم يتردد على الحرم في كل الصلوات ويمسك بالملتزم ويبكي ويبكي كل من حوله، وفي الليل كان يقوم الليل ويبكى فتبكي معه الأسرة والجدران، ولا تكاد تراه نائماً أبداً ففي النهار يبكي في الحرم وفي الليل قائماً يصلي ويدعو الله بصوت يملؤه البكاء، وبعد أن مضت رحلتهم عادوا إلى مدينتهم وهم في طريق العودة طلب من صديقه أن يوقف السيارة قليلاً فأوقفها بناء على طلبه فأخرج التائب زجاجة الخمر من ذلك الكيس الأسود أمام صديقه ومرافقيه وسكب ما فيها وقال لهم اشهدوا على يوم الموقف العظيم أني لن أعود إليها ثانية وأخذ يسكب ما فيها وهو يبكي على ذنوبه التى ارتكبها ويعدد ما فعله بأسبابها وكانت عيون مرافقيه تغرغر بالدموع وتحشر كلمات تنطق من أعينهم لا يعرفون كيف يعبرون عنها فكانت الدموع أبلغ من لغة الكلام فبكوا.وتحركوا بعد ذلك وهم يبكون مثله، وبدأ الصمت يختلط بالنحيب وبدأ البكاء يختلط بالبكاء، وقبل أن يصلوا إلى مدينتهم قالوا له: الآن تدخل إلى بيتك متهلل الوجه عطوفاً رحيماً بأهلك وأعطوه نصائح عديدة في كيفية التعامل مع الأبناء والزوجة بعد أن من الله عليه بالهداية وأن يلزم جماعة المسجد المجاور له وأن يتعلم أمور دينه من العلماء الربانين، فالله عز وجل يقبل توبة التائب ويفرح بها ولكن الاستمرار على الهداية والتوبة من موجبات الرحمة والهداية فكان يقول والله لن أعصي الله أبداً فيقولون له إن شاء الله والدموع تملأ أعينهم.وصل إلى بيته ودخل على زوجته وأبنائه وبناته وكان في حال غير الحال التي ذهب بها لم تحاول الزوجة أن تخفي فرحتها بما شاهدته فأخذت تبكي وتضمه إلى صدرها وأخذ يبكي هو الآخر ويقبل رأسها ويقبل أبنائه وبناته واحدا تلو الآخر وهو يبكي، وما هي إلا فترة وجيزة حتى استقام على الصلاة في المسجد المجاور له وبدأت علامات الصلاح تظهر عليه فأصبح ذو لحية ناصفها البياض وبدأ وجهه يرتسم عليه علامات السعادة والسرور وبدأ كأنه مولود من جديد.
استمر على هذا الحال فترة طويلة، فطلب من إمام المسجد أن يساعد المؤذن في الأذان للصلاة يومياً فوافق وأصبح بعد ذلك المؤذن الرسمي لهذا المسجد بعد أن انتقل المؤذن الرئيسي إلى الرفيق الأعلى، وبدأ يحضر حلقات العلم والدروس والمحاضرات بالمسجد ثم قرر أن يحفظ القرآن فبدأ بالحفظ فحفظه كاملاً عن ظهر قلب وخلال هذه الفترة كان صديقه الشاب الحليم يزوره باستمرار ويعرفه على أهل الخير والصلاح حتى أصبح من الدعاة إلى الله واهتدى على يديه العديد من أصدقائه الذين كانوا يشربون الخمر معه فيما مضى، وأصبح إمام للمسجد المجاور له ولا يزال بحفظ الله ورعايته إلى يومنا هذا من الدعاة وإماماً لمسجد الحي.ملاحظةهذه القصة حقيقة وليست من نسج الخيال وبالإمكان نشر الأسماء ولكن أصحابها لا يرغبون في ذلكمنقول للافادة والعبرة والاتــعاظ