الثلاثاء، 19 مايو 2009

يارب سلم





لقد نثر طول الأمل رداءه على البعض فأصبح الكثير من الناس يقترف المحرمات، ويتهاون في الطاعات وأمسى التسويف حاجزًا لهم عن التوبة، والفرح بهذه الدنيا منسيًا لما أمامهم من الأهوال والعقبات.


فلم يطرق الخوف قلوبهم، ولم يلازم الوجل نفوسهم. فانهمكوا في الفرح والترح، وكأنهم مخلدون في هذه الدنيا.. تجاهلوا سيرة من كانوا قبلهم في تذكر الموت والخوف مما بعد الموت.. فقد كان يقرأ على بعض السلف ما يلين القلوب ويحيي النفوس.. يشحذ الهمم، ويقوي العزائم ويزيل ران الغفلة والسفه.. فهذا ابن المبارك إذا قرئ عليه كتاب الزهد كأنه ثور قد ذبح؛ لا يقدر أن يتكلم(تذكرة الحفاظ: 1/278.).والخوف أخي الحبيب! عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في المستقبل.ومن توقع مكروهًا في المستقبل سعى إلى الاستعداد له، والمثابرة على اجتيازه.وقد جمع الله للخائف منه فضلاً عظيمًا، فقال تعالى: }وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ{(سورة الرحمن، آية: 46. ).قال القرطبي: المعنى خاف مقامه بين يدي ربه للحساب، فترك المعصية(الجامع لأحكام القرآن: 17/176. ).وقال ابن كثير -رحمه الله-: أي خاف القيام بين يدي الله -عز وجل-، وخاف حكم الله فيه، ونهى النفس عن هواها، وردها إلى طاعة مولاها}فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى{ أي منقلبه ومصيره ومرجعه إلى الجنة الفيحاء(تفسير ابن كثير 4/469. ).وقال مجاهد والنخعي -رحمهما الله-: هو الرجل يهم بالمعصية، فيذكر الله فيدعها من خوفه.وقال محمد بن علي الترمذي -رحمه الله-: جنة لخوفه من ربه، وجنة لتركه شهوته.ومن فضل الله ومنه على عباده الطائعين المنيبين ما جاء في الحديث القدسي، قال الله تعالى: «وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن هو أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم أجمع عبادي»( أخرجه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي في الشعب.).وعن أنس -رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله r خطبة ما سمعت مثلها قط. قال:«لو تعملون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيرًا، فغطى أصحاب رسول الله r وجوههم ولهم خنين» (الخنين: البكاء مع غنة وانتشاق الصوت من الأنف. )[متفق عليه].ومن ثمرة الخوف من الله -جل وعلا- في الدنيا ما ذكره عامر بن قيس بقوله: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء, ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء.وانظر إلى أهل الوجل والخوف من الله؛ إنهم أهل القدوة، وأصحاب الكلمة المسموعة.أما من عصى الله وفرط في حدوده، فإنه زائغ النظرات، يترقب وقوع المصيبة.. بل هو في قلق وحسرة وندامة.ويظن البعض أن الخوف هو خوف الدنيا الطبعي من الوحوش والسباع والظلام والوحدة، وما علموا أن ما قطع قلوب المؤمنين الصادقين إنما هو الخوف من عذاب الله ورجاء رحمته وعفوه ومغفرته..قال عمر بن عبد العزيز: اللهم إن كنت تعلم أني أخاف شيئًا دون يوم القيامة فلا تؤمن خوفي (تاريخ الخلفاء: 224.).قال يزيد بن حوشب محدثًا بما كان يراه من صلاح القوم وخوفهم: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما.وعن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال:سمعت عبد الله بن حنظلة يومًا وهو على فراشه، وعدته من علته، فتلا رجل عنده هذه الآية:}لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ{ فبكى حتى ظننت أن نفسه ستخرج، وقال: صاروا بين أطباق النار ثم قام على رجليه، فقال قائل: يا أبا عبد الرحمن اقعد قال: منعني ذكر جهنم القعود، ولا أدري لعلي أحدهم.فإن هذا هو الخوف المحمود الذي يحرك النفس البشرية إلى الاستعداد والعمل والاستقامة والإنابة.وهذا هو الخوف الحقيقي والوجل الصادق..كان عمر بن الخطاب يسأل حذيفة.. أنشدك الله: هل سماني لك رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يعني في المنافقين؟ فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحدًا (الجواب الكافي: 79.).نعم هذا وهو عمر بن الخطاب.. أمير المؤمنين الفاروق وثاني الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة.بل ها هو قد جعل نقش خاتمه: كفى بالموت واعظًا يا عمر(البداية والنهاية: 7/147.).
مستوفدين على رحل كأنهم....ركب يريدون أن يمضوا وينتقلواعفت جوارحهم عن كل فاحشة....فالصدق مذهبهم والخوف والوجل(ترتيب المدارك: 1/36.)أخي المسلم: إن اتباع الهوى وطول الأمل مادة كل فساد. فإن اتباع الهوى يعمي عن الحق معرفة وقصدًا، وطول الأمل ينسي الآخرة ويصد عن الاستعداد لها (الفوائد: 130. ).قال الفضيل بن عياض: إذا قيل لك: هل تخاف الله؟ فاسكت، فإنك إن قلت: نعم، كذبت، وإن قلت: لا، كفرت(تزكية النفوس: 117.).والكثير لو سئل هذا السؤال لأجاب بالجواب الأول، وهو مقيم على معصية، مصر على كبيرة، مستغرق في صغيرة؟!فأين الخوف من الله؟ وأين التفكر في المآل والمعاد والجزاء والحساب..أيها الحبيب:هذا أبو سليمان الداراني لما حضره الموت، قال له أصحابه:أبشر فإنك تقدم على رب غفور رحيم. فقال لهم: ألا تقولون تقدم على رب يحاسبك بالصغير ويعاقبك بالكبير.وصدق الله عز وجل إذ يقول:}فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ{.والخوف ليس من الذنوب وحدها، بل أيضًا من سوء الخاتمة وسوء المنقلب.. قال عبد الرحمن بن مهدي: بات سفيان عندي فلما اشتد به الأمر، جعل يبكي. فقال له رجل: يا أبا عبد الله أراك كثير الذنوب. فرفع شيئًا من الأرض، وقال: والله لذنوبي أهون عندي من ذا، إني أخاف أن أسلب الإيمان قبل أن أموت(صفة الصفوة: 3/150. ).وقال جل وعلا:}يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ{.نعم يا عبد الله لقد خافوا هذا اليوم العظيم يوم القيامة، يوم الحسرة والندامة:}يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ{[الحج: 2].قال الحسن -رحمه الله-:ما ظنك بيوم قاموا فيه على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة، لا يأكلون فيها أكلة، ولا يشربون فيها شربة، حتى إذا انقطعت أعناقهم عطشًا، واحترقت أجوافهم جوعًا، انصرف بهم -يقصد العصاة والمجرمين- إلى النار فسقوا من عين آنية قد آن حرها، واشتد لفحها(الإحياء: 4/500. ).قال وهيب بن الورد:بلغنا أنه ضرب لخوف الله مثل في الجسد، قيل: إنما مثل خوف الله كمثل الرجل يكون في منزله فلا يزال عامرًا ما دام فيه ربه، فإذا فارق المنزل ربه وسكنه غيره خرب المنزل، وكذلك خوف الله تعالى إذا كان في جسد لم يزل عامرًا ما دام فيه خوف من الله، فإذا فارق خوف الله الجسد خرب، حتى إن المار يمر بالمجلس من الناس فيقولون: بئس العبد فلان، فيقول بعضهم لبعض: ما رأيتم منه؟ فيقولون: ما رأينا منه شيئًا غير أنا نبغضه، وذلك أن خوف الله فارق جسده.وإذا مر بهم الرجل فيه خوف الله، قالوا: نعم والله الرجل فيقولون: أي شيء رأيتم منه؟ فيقولون ما رأينا منه شيئًا غير أنا نحبه(التخويف من النار لابن رجب 5. ).
فكرت في نار الجحيم وحرها....يـا ويلتاه ولات حين مناصفدعوت ربي إن خير وسيلتي....يوم المعاد شهادة الإخلاص(شذرات الذهب: 4/3. )جاء سائل إلى ابن عمر فقال لابنه: أعطه دينارًا، فلما انصرف قال ابنه: تقبل الله منك يا أبتاه، فقال: لو علمت أن الله يتقبل مني سجدة واحدة وصدقة درهم لم يكن غائب أحب إلي من الموت، أتدري ممن يتقبل؟ إنما يتقبل الله من المتقين.وقد فسر الحسن قوله تعالى:}وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ{.قال: كانوا يعملون ما يعملون من أعمال البر وهم مشفقون؛ ألا ينجيهم ذلك من عذاب الله عز وجل(الزهد: 420.).ولهذا الفهم الصحيح والإدراك الصادق، قال يونس بن عبيد عن الحسن: ما رأيت أطول حزنًا من الحسن. وكان يقول: نضحك ولعل الله قد اطلع على أعمالنا، فقال: لا أقبل منكم شيئًا.


ليست هناك تعليقات: