الجمعة، 5 يونيو 2009

مفهوم التنمية الإنسانيــة



يقوم مفهوم التنمية الإنسانية الذى يتبناه برنامج الأمم المتحدة للإنماء على أن "البشر هم الثروة الحقيقية للأمم" وأن التنمية الإنسانية هى "عملية توسيع خيارات البشر". و"الخيارات" تعبير عن مفهوم أرقى، هو "الاستحقاقات". ويعبر عن حق البشر الجوهرى فى هذه "الخيارات". ومن حيث المبدأ، فإن استحقاقات البشر يمكن أن تكون غير محدودة، وتتغير مع الزمن. ولكن عند أىٍ من مستويات التنمية، فإن الاستحقاقات الثلاثة الأساسية هى "العيش حياة طويلة وصحية، والحصول على المعرفة، وتوافر الموارد اللازمة لمستوى معيشى لائق". ولكن مفهوم التنمية الإنسانية لا يقف عند هذا الحد، بل يتعداه إلى استحقاقات إضافية أخرى، تشمل "الحرية السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، وتوافر الفرص للإنتاج والإبداع، والاستمتاع باحترام الذات وضمان حقوق الإنسان".
و النظر إلى
التنمية من منظور التنمية الإنسانية ليس بجديد ، ففكرة أنه ينبغى الحكم على الترتيبات الإجتماعية بمدى تعزيزها للمنافع الإنسانية ، فكرة تعود على الأقل إلى عهد أرسطو الذى قال " من الواضح أن الثروة ليست هى المنفعة التى نسعى لتحقيقها ، فهى مفيدة فحسب بهدف الحصول على شيىء آخر " . وقد دعا إلى التمييز بين الترتيب السياسى الخيّر و الترتيب السياسى السيىء على أساس النجاح أو الفشل فى تسهيل قدرات الناس على أن يعيشوا حياة مزدهرة . ففكرة الحياة الإنسانية الأفضل كهدف حقيقى لكل الأنشطة الإنسانية كانت موضوعا متكررا فى كتابات معظم الفلاسفة الأوائل .
و
فى تراثنا العربى خصص إبن خلدون فصلا كاملا فى مقدمته لبيان حقيقة الرزق و الكسب وشرحهما و أن الكسب هو قيمة الأعمال البشرية . و إعتبر أن مكاسب الإنسان المتأتية عن عمله و سعيه تكون له معاشا إن كانت بمقدار الضرورة و الحاجة ، أما إن زادت عن الضرورة و الحاجة فتعتبر رياشا و متمولا . كذلك ميز إبن خلدون بين الكسب الذى تعود منفعته على الإنسان و بين الكسب الذى لا يحصل به منتفع . أما الأول فهو ما ينفق فى مصالح الإنسان وحاجاته و يسميه الرزق مقتديا بحديث نبوى شريف " إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت " . و مقتبسا فلسفة المعتزلة الذين إشترطوا فى تسمية الكسب رزقا أن يكون مكتسبا بصورة شرعية و لذلك أخرجوا الغصوبات و الحرام كله عن أن يسمى شيء منه رزقا .وربط إبن خلدون الرزق بالعمل الإنسانى و أنه لا بد من الأعمال الإنسانية فى كل مكسوب و متمول . بل ربط التقدم الحضارى ( العمران ) بأسره بالأعمال الإنسانية .
ونجد كذلك نفس الإنشغال
فى كتابات الرواد الأوائل عن القياس الكمى فى الإقتصاد : ويليام بيتى و غريغورى كينج و فرانسوا كويستى و أنطوان لافواسير و جوزيف لاكرانج، و هو من مؤسسى إستخدام و حساب الناتج القومى الإجمالى و الناتج المحلى الإجمالى، . و هى أيضا واضحة فى كتابات رواد الإقتصاد السياسى : آدم سميث و ديفيد ريكاردو و روبرت مالتس و كارل ماركس و جون ستيوارت ميل .
و
مفهوم التنمية الإنسانية أوسع من مفاهيم التنمية حتى تلك التى ترتكز على الإنسان . فتنمية الموارد البشرية تؤكد على رأس المال البشرى فقط و تعامل الناس كمدخل من مدخلات عملية التنمية ، و لكن ليس كمنتفعين منها . و يركز نهج الحاجات الأساسية على متطلبات الناس و ليس على خياراتهم . وينظر نهج رفاه الإنسان إلى الناس كمنتفعين ولكن ليس كمشاركين فعالين فى العمليات التى تشكل حياتهم .
أما
التنمية الإنسانية فهى بإشتمالها على جميع هذه الجوانب ، تمثل نهجا أكثر شمولا تجاه التنمية .
أضف الى مفضلتك






هناك 14 تعليقًا:

ريما الشيخ يقول...

أخي المتميز

اهنئك على مقالك القيّم

وتحليلك العميق

لك مني كل ود واحترام وتقدير

تحياتي

hams-el-gawary يقول...

الى مقاوم مصر وعنيدها

التنمية البشرية وتنمية الموارد البشرية هي مصدر ثروة لأي امة

وقد تقدم ابن خلدون في مجال الاجتماع في اعطاء مفهوم واضح

زجلي عن مفهوم هذه الثروة. وبما ان البشر ثروة أصبح من البديهي

الاهتمام بهذا المصدر ومحاولة تنميته للوصول لأكبر قدر من الكسب العائد

من حسن استخدام وتشغيل و تفعيل هذه الثروة . هذه الثروة لها احتياجات

مادية وأخرى معنوية . أما المادية فهو الحصول على مال لتوفير مسكن وملبس

ورعاية صحية وتعليم . أما الحاجات النفسية والتي تعتبر مهمة جدا لتجويد تفعيل

هذه الثروة فيكمن في القناعة باهمية العمل وتغذية الاحساس بأهمية الفرد كعامل

منتج . ولا يقف الأمر عند هذا انما اعطائهم الضمانات النفسية اللازمة لترسيخ تواجدهم

وأحمية هذا التواجد … اعطائهم حرية التعبير السياسي والفكري باعتبارهم نوات لمجتمع

يملك ثروة. رائع موضوعك ويجعلنا نفكر بما نملكه من ثروة وكيف يجب أن ننمي الموارد

البشرية ونوجهها حيث متطلبات المجتمع ونربيها على فكر وحرية وندعمها بكل تقدير مادي

ومعنوي وألا نفرط في هذا المورد حتى وان كنا نملك تقنية الآلة فالانسان هو الذي سخرها

لخدمته الآلة تتعطل والبشر يقومون باعادة تشغيلها… آمل بفتح مؤسسات اجتماعية تتبني

هذه الموارد وتخضعها للتدريب حتى نخرج مصادر فعالة وقوية ونحافظ بها على هذه الثروة الجبارة. تقبل تحياتي

حسن جميل الحريس يقول...

أستاذي الفاضل

تناسق أفكار مقالك راقي …. إنما ذاك من باب النظرية الفكرية غير المعمول بها على مختلف برامج التنمية الأممية التي ينادون بها ….. فقد عصبت تلك الأفكار براحة المتنفذ في القوة والسطوة بمختلف أدوات القهر والعدوان وخير دليل ما نعيشه نحن ودول العالم الثالث / هذا إن آمنا بوجود عالم ثالث أصلاً / فصارت فكرة التنمية البشرية خاضعت برمتها لنظم الفساد المنظم الجاري تنفيذه عملياً بأي مكان …… والتنمية الإنسانية بمفهموها الإندوغرافي تحول عمادها للتنظيمات الجيوسياسية الملائمة لمجالس الفكر العنصري كأداة متعددة الوجوه بدءاً من العدم وصعوداً نحو التطرف والاعتدال والميثولوجية المنسوخة عن أركان الدول المسيطرة عليها وانتهاءأ برغبات ومصالح المروجين لها …..

أعتذر إن أطلت في إسهابي ولكن ولوج هذا الباب يحتاج لأوامر ونواهي تعصف بجذور أفكارها المطروحة كلها

دمت وسلمت بخير وود

تحياتي

علي ابراهيم يقول...

الاخ الاحب الكريم

سلام الله عليكم

في ذكري بيع مصر الي الصهاينه والامريكان ادخل اليك بعد انقطاع خسرت فيه كثيرا لعدم متابعتي كتابتكم واخواننا المدونين

وبما ان البشر هم الثروه الاهم لاي مجتمع فان نظامنا الجاثم وهو يقرط في كل شيء ويبيع الي اخر شبر واخر نقطة دم في عروقنا لم ينسي ان يبيع ثروت مصر الشريه وبابخث الاثمان بل ويدفع لهم ليموتوا حرقي او غرقي او مرضي

عادل سعيد يقول...

أخى الكريم

فى الوقت الذى يحث فه ديننا الحنيف على أحترام الأنسان و النهوض بالأنسان و تربية الأنسان .. فالأنسان روح و جسد و عقل .. روحه بقربه من الله و توحيده و سلامة عقيدته و تنقيته من دنس الشرك و المعاصى و جسده بتحريم الخمر و الدم و لحم الخنزير و كل مسكر و غيره من أذى و و العقل بادعوة الى العلم و التفكر فى ملكوت الله ..

و الآن جاءت أنظمتنا كى تجعل من الأنسان مواطن فى أسفل سافلين

لم يصل حتى لحق الحيوان فى الأسلام

دمت و دام قلمك بكل خير

هل وصلتك رسالتى

قصة أمريكا ؟

منى محمد يقول...

دمت بتوفيق وتميز

ودام اختيارك الراقى للمواضيع الهادفة

مع كل الود والتقدير

انـتـصـار عـبـد المـنعـم يقول...

( “البشر هم الثروة الحقيقية للأمم” وأن التنمية الإنسانية هى “عملية توسيع خيارات البشر )

هذا ما تقوله الأمم المتحدة

ولكن ما تقوله الولايات المتحدة الأمريكية أكثر واقعية وخياراتها محددة

فمن ليس معها فهو ضدها

هذا زمن أمريكا وخياراتها المعدومة أستاذ عبد المجيد

خيوط اللعبة أصبحت في يدها ولها أن تضع الخيارات وتنزعها وقتما تشاء

والساسة يمعنون في امتهان البشر بكافة الطرق

وفي النهاية لا ثروة ولا شئ

هيفاء فويتي يقول...

أخي الغالي :

ماأكثر ماكتب عن قيمة الانسان

وماأقل مانفذ لأجله

مع تحياتي واحترامي

خلود السواح(زهرة اللوتس) يقول...

أشعر أنى أمام موسوعة .. شكرا لك

monahgrlv10 يقول...

ياترى ماذا قدمت الدول العربية في مجال التنمية البشرية

وماذا اعطت للأنسان في ماذكرته من تنمية الإنسانية

……………………..

كلمة حق

مقالك اكثر يستحق أكثر من وقفة هو مقالة عالمية شاملة لاتقتصر على

مكان واحد …

لك احتراماتي

يوسف حساس يقول...

مع أني لا أؤمن كثيرا بنتاج ما يسمى التنمية

الا اني أرى نتائج دوراتها وألمسها على من قام بها

تحية لك

د.حنان فاروق يقول...

قلمك له تميزه وخصوصيته..نحتاج دائماً إلى نظرته العميقة وقدرته التحليلية البحثية الواعية والرائعة..

مقال ثري..شكراً لك

حبيبة زوڴي habiba zougui يقول...

السلام عليكم

سررت بمروري ..سافرت عبر كلماتك …تنهدت و قلت واحسرتاه :أمة إقرأ لا تقرأ

تحيتي الشاسعة

منال لطفى يقول...

اعتقد ان مفهوم التنمية الانسانية قد اوضحة لنا الاسلام لكن العلوم الحديثة كل الذى فعلتة انها لخبطتنا تقبل احترامى